الأربعاء، 20 يونيو 2012

عبيد ولد اميجن يكتب من سجنه/ أسامح وانسي



ليس الخضوع لمثلكم           يعني الحياة بأرضنا
لسنا عبيدا يا عبيــــ           د العابثين بشعبنا
(رسالة الي مناضلة في السجن للشاعر احمدو ولد عبد القادر).
منذ ثمانين سنة خلت والعالم المتمدن يزداد اشفاقا وانشغالا جراء واقع تختص به فئة كاملة من المجتمع الموريتاني ..، لقد تعرضت حياة أجيالها السابقة لهدر دونما حساب، كما عاني أجدادها من وطأة العمل القسري والسخرة وبقوا طويلا في يدي أجهزة الإنتاج القبلي والإقطاعي الذين يعيشون فيه..، واليوم يعدم أغلب المنحدرين من تلك الشريحة المنافذ الكفيلة بتحقيق مشاركتهم الفاعلة في شؤون الوطن. كما يخيم النسيان والإهمال علي حقوقهم المدينة، وفي أحايين كثيرة تتلاعب الإدارة العمومية بالقوانين الخاصة بضحايا يألمهم كثيرا تنكر الأعراف الاجتماعية لأدميتهم وإخوتهم الإيمانية يقول تعالي: "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم".
ان الواقع الاجتماعي المعاش يؤكد ان هذه الأوصاف والمظاهر إنما تنطبق علي شريحة "لحراطين" دون غيرها، مع إقرارنا باستثناءات اجتماعية أخري.
ومع طول المرارة وتجرع الخيبات الطويلة يتضح ان كل ذلك لم يسرع بها لاتخاذ العنف او المجابهة البدائية سبيلا الي الانعتاق او الانفصال، كما ظلت إفرازاتها الرافضة قيام "اخوك الحرطاني" 1978، وحتى ميلاد الحركات الاحتجاجية الجديدة بما في ذلك المبادرة الانعتاقية سنة 2008.
لقد ظل نضال "لحراطين" عامل محافظة لا مصدر بعثرة او فتنة دينية او عرقية، عكسا لمضامين حملات التحريضية التي تتكرر هذه الآونة بأشكال وألوان مطابقة، وان كان التكفير ابرز مظاهرها.
لقد مر الكفاح الوطني ضد العبودية كغيره من النضالات الرامية الي التمكين لدولة القانون والحق والديمقراطية، بمراحل من النمو والتطور ضرب خلالها المناضلون –دون استثناء- المثال الحي علي الصبر والانتماء الوطني.
وفي سبيل مهمة صعبة كهذه لا مناص من ان يدفع المرء ثمن مواقفه وآرائه وهو يتلمس الغدر من سجانيه في مقولة "نلسون مانديلا" (أسامح وانسي/ Pardonne et oublie)، ما دام يحس بان أفكاره قد بدأت تتسلل سريعا الي أعماق الضمير الشعبي، وانه برغم العراقيل المؤسساتية فإن الطريق الي الانعتاق والمساواة قد بات ممهدا لقيام أنماط جديدة من العلاقات السوية بين الناس الذين يتوجب علينا غرس الشعور بالفخر والمواطنة في نفوسهم.
وعندما يجد المرء نفسه محاصرا بحكومات تمتهن التنكر حتى الرمق او الانقلاب الأخير للمستعبدين داخل الجمهورية، وأعراف اجتماعية بالية يجاهد المجتمع التقليدي للإبقاء علي أسرار روابطها القرابية..، فعليه ان يختار حضن الضحايا والعمل علي تخليصهم ولو اقتضي ذلك منه ان يفقد حياته.

لقد وجدت نفسي منذ بضع سنوات، اعتني في معالجتي بجوانب البؤس التي يرتع فيها العبيد باحثا عن مستقبل براق للأطفال والمراهقين المنحدرين من اسر سبقت أبناءها لتجرع الدونية في محيط منحاز الي ملاك العبيد.
ومهما يكن فان ادعاءات الأسياد القدامى بشان روابط الخؤولة او المساكنة لا يمكن ان تشفع لأصحابها بالاستمرار في استغلال الأطفال حتى وان كان الإملاق يدفع بأمهاتهم البائسات الي التخلي عنهم لصالح اسر لها حظوة من مال وجاه، فإن الانطباع العام إنما يوحي بعبودية يتم تغليفها بشكل مستحدث اقرب ما يكون الي الإعارة، والمثل الشعبي يقول "أعطيني ولك يلعب بيه ولي"، فكيف يحصل للصغير حينها غير الاستغلال البشع؟، وهدر للطفولة، حين يفتح عينه ضمن حالة غير صحية ولا تنم عن الإيثار او التعاضد الأسري الطبيعي الذي يفتقده وسط بيت يسكن الكسل والاتكال كافة أفراده.
وهل يمكن لصبي كهذا ان يبني مستقبلا؟ وهو يفتقد في الغالب الي وثائقه الثبوتية التي تمكنه من ولوج المدارس العمومية.
انه يخدم أصحاب البيت، وهو "مرسال" بين المكبوتين، وهو بين أترابه مجرد منديل "كلينكسي"، في حين تكوين إخوته "في الرضاعة المزعومين مقيدون في أفضل المدارس الخاصة حيث التنافس علي مستقبل انسب".
وغني عن القول ان العائلات الروحية والدينية والمشيخية وغيرها من الأسر التي تشترك في تعليق نياشين الفخر وشارات الشرف، إنما تتنافس علي استقدام الأطفال وتداوم استغلالهم واسترقاقهم، مما يبعث في نفس الضحايا المذلة، ويغرس في قلبه الحقد والكراهية منذ الصبي..
والطريف في الأمر هو تفاجأ الفتي سعيد (11 سنة) حين مثوله لدي وكيل الجمهورية بسيده المدان وهو ينكر معرفته بعبده الصغير أصلا، فما كان من الفتي إلا ان رد عليه: "سيدي الكريم الم تعلمونا ان الأشراف لا يكذبون ولا يجبنون".

بالنسبة لساكنة أدباي (ما) تغيب التنمية القروية وتنعدم المدارس، ويهاجر الصغار باكرا الي المدينة حيث تستقبلهم بوابات البيوت، ولطالما كانت جهات واسعة نسيا منسيا من عملية التنمية، وكمثال علي ذلك نذكر (ادوابه) الكائنة في نطاق مثلث الفقر داخل تلك الأوساط يكون امتلاك "ثور واحد" كفيلا بحسم المكانة الاجتماعية والسياسية داخل ساكنة يتزايد تهميشها وحرمانها.
ولئن لم يظهر هؤلاء المساكين الرفض القوي والسخط الكفيل بإطلاق الشرارة ضد المتكالبين علي أصواتهم وخيرات مناطقهم الخصبة..، فان مرد ذلك يعود، وإنما يعود الي حسن ظنهم بالدولة الموريتانية، وهو نفس التصور الذي يجعل الي حد الساعة نضالات حركات الانعتاق ومنظمات مناهضة العبودية يبقي مستظلا في الداخل في الوقت الذي فشلت فيه كل محاولات الربط بالخارج...لقد ظل نضال "لحراطين" نظيفا ومتسامحا ومتصالحا.
وانه لمن المستحسن ان لا تنسي الأجيال المتعاقبة أول داعية للحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية في هذا البلد وهو العميد لويس هنكرين "    Louis Hunkrin" الذي ظل خلال إقامته الجبرية في موريتانيا  (1923-1933-) رائدا كبيرا في مجال مناهضة العبودية والسياسات الاستعمارية التي كانت تغض الطرف عن خطف الأطفال واستخدامهم كرقيق، ان دور هذا المناضل الأممى لجدير بان تفرد له الرسائل الجامعية والمقلات الصحفية.
لقد عاب هنكرين علي الأسياد من مجموعة "البيظان" عدم تعودهم علي العمل في الحقول وإعداد واجباتهم بأيديهم دون اللجوء الي العبيد، واستحق ان يكون أول من عمل علي إنقاذ العبيد المهانين من قبل أسيادهم، وحصل بالفعل علي تحرير عدد منهم خلال إقامته الجبرية سنة 1930 بمدينة تجكجه.
ان سجن وقمع وإسكات المناهضين للظاهرة واعتماد سياسة الحظر وكبت الحريات يستمد مشروعيته السافرة من وعيد احد رؤساء الجمهورية الذي صرح علنا منذ سنين انه  "لن اسمح بظهور محرر للعبيد في موريتانيا...".

سيدي الحاكم: "يمكنك ان تدوس الأزهار ولكنك لن تؤخر الربيع"، ومع ذلك فأنت إنما تعبر عن احدي تجليات التمنع ليس الا...
اللهم اني اسامح وانسي.
عبيد ولد اميجين السجن المدني
نقلا عن موقع المشاهد علي الرابط التالي

الثلاثاء، 12 يونيو 2012

شباب الثورة (المعارضة) هل حقا مفعول بهم..؟؟

منذ اندلاع شرارة الثورات العربية والساحة الموريتانية تشهد تحركات شبابية مطالبة باسقاط النظام وفصل العسكر عن السلطة وابعادهم نهائيا عن الحياة السياسية في البلد وهو ما تمثل في اولي الحركات الشبابية التي عرفت بشباب 25 فبراير التي عملت جاهدة علي تحريك الساحة الموريتانية الا ان عدم التجاوب الذي لقيته حال دون اندلاع هذه الثورة لتتلقف الموقف أحزاب المعارضة الديمقراطية بزعامة أحمد ولد داداه ومحمد جميل منصول وصالح ولد حنن وشخصيات مؤثرة أخرت انضمت الي هذا الحراك فيما بعد وهو ما وضع نظام الجنرال الانقلابي في مأزق لا يحسد عليه .
عمد هذا النظام الي خلق شبابه الخاص الداعم له مع انطلاق الاحتجاجات وظهر ذلك في الساحة المعروفة ببلوكات حيث نصب منصته وباشر نشاطاته وبما أنهم مجموعة من الشباب الذين حركتهم في تلك الفترة مصالح ضيقة متمثلة في دعم مادي فقد اختفت نشاطاتهم فيما بعد، لتظهر في شكلها الجديد المتمثل في بعض المبادرات الداعمة ل ((فخامة القيادة الوطنية)) علي الرغم من عدم النجاح الذي قوبلت به من قبل متصفحي الفيسبوك نتيجة اجتراهم لعبارات اندثرت ولم تعد لها وقع علي قلوب الناس، ونتيجة لتلاحق وتزايد الضغط الذي تمارسه أحزاب المعارضة شعر النظام بالحرج ليجري حوار مع بعض هذه الاحزاب التي تبنت ما قالت انه سبيلا لحماية الوطن وعبرت في أكثرمن مرة عن رفضها لاسقاط النظام لان ذلك حسب فهمها سيجر البلاد الي الفوضى والفتن وهى نفس القناعة التي يتبناها نظام عزيز الحاكم، وعندما لم يشعر بجدوائية القمع والتنكيل الذي تمارسه القوات الامنية في ثني المعارضة والشباب التابع لها عن المطالبة برحيله أوحي الي السيد مسعود ولد بلخير بمحاولة جس نبض المعارضة المقاطعة بعرض مشروع حكومة وحدة وطنية وهو ما يبدو  حسب المعطيات انه حل غير مرحب به من قبلها(أي المعارضة)، ولكن السياسة لعبة خبيثة ويمكن ان ينقلب الوضع وتقبل المعارضة بالرجوع الي الحوار فهل سنري موقفا آخر للشباب المطالبة برحيل النظام؟
الشباب هو وقود كل الثورات العربية التي قامت وتقوم في الوقت الراهن بل دخل علي الخط الاطفال الذين يقتلون يوميا في سوريا بدم بارد، السؤال المطروح الآن هو ، هل من الممكن فيما لو قبلت بوساطة السيد مسعود ولد بولخير أن يقبل الشباب المحسوبين عليها بالمبادرة أيضا؟، أم أننا سنري موقفا مغايرا لمواقف زعماء المعارضة والاستمرار في المطابة برحيل النظام والعسكر، أم ان غالبية الشباب غير مستقلة بقراراتها وتستلهمها من زعماء المعرضة .
وإذا ما حدث ذلك ،هل يعبر عن انعدام الارادة لدي الشباب ويكون تعبيرا عن وجهة نظر النظام وهي أنهم مجموعة من الشباب مفعول بهم وليست لهم القدرة علي اتخاذ مواقف مستقلة وهل يعبر ذلك عن عدم قناعتهم أصلا بالمطالب التي نادوا بها وصدحت بها حناجرهم فترات طويلة وتلقوا علي اثرها الاعتقال والتنكيل والضرب....، المستقبل كفيل بذلك.

الاثنين، 11 يونيو 2012

مستقبل قاتم جدا في ظل حكم الجنرال صاحب الشهادات!


كما عودتنا دائما مؤسسات التمويل الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي)  علي فرض شروطها المجحفة علي دول العالم الثالث التي لا تتوفر علي مقومات ولا قوة اقتصادية تسمح لها بمناقشة هذه الشروط ، فإنها تطيع صاغرة لتلك الاملاءات التي يكون ورائها في الغالب الدول المهيمنة علي الاقتصاد العالمي، تلك الشروط التي تمرر عبر هاتين المؤسستين التين تبدوان في ظاهرهما من مؤسسات هيئة الامم المتحدة الاقتصادية وفي باطنهما أدات لطحن الدول النامية بالديون حتى لا تتمكن من الاستقلال الذاتي من الناحية الاقتصادية وتظل في تبعية مستمرة لاقتصادات هذه الدول التي من الغني القول أنها لا تسعى الا لمصالحها وليس لنا ان ننتقدها على ذلك لأنه ببساطة شديدة حقها المشروع.
إن أحد هذه الوسائل هو ما يعرف بخصخصة المؤسسات العمومية أي بيعها لرجال أعمال خصوصيين وما ينجم عن ذلك من تسريح للعمال ،إذ ان المالكين الجدد لهذه المؤسسات المخصخصة لا يسعون الي عمالة مقنعة كانت خزينة الدولة  تتحمل نفقاتها دون مردود علي هذا الانفاق.
ونتيجة لانعدام رأية واضحة لهذه الدول لامتصاص العمالة المطرودة من هذه المؤسسات فإن هؤلاء العمال ينضمون الي فئة العاطلين التي تتجاوز نسبتهم 30%
ليتجهوا مباشرة الي مزاولة الاعمال اليدوية التي تعتبر الملاذ الاخير لهم بهدف تغطية الحاجيات اليومية الملحة، ونتيجة لضعف الدولة خصوصا من ناحية قوانينها التي تنظم مجال العمل أو قل نتيجة لسيطرة رجال الاعمال علي مفاصل الدولة بصفة خفية فإن الدولة تعجز عن تطبيق هذه القوانين مما يذهب ضحيته العمال البسيطين خصوصا انهم (أي العمال) في الغالب يجهلون حقوقهم التي يكفلها لهم قانون الشغل.
التقيت بشاب من العمال اليدويين وتبدو عليه آثار عمل شاق، فسألته عن عمله وكيف يبدوا فقال في أسوء حال تتصوره، راتب لا يغطي الخمسة ايام الأولي بعد تقضيه، فقلت له كم هو راتبك فقا لي 20000 ألف اوقية مع عمل متواصل من الصباح حتى المساء، وإذا تعرضت لحادث اثناء العمل فانهم يقطعون راتب اليوم الذي تغيبت فيه للعلاج ومن باب أحرى أن يتحملوا علاجك، فقلت له لم لا تذهبوا الي نقابات العمال لتوفر لكم الدعم، فقال دعك منها فهي لا توفر سوى ضياع الوقت، قلت له هل سمعت بما يسمى الحد الادنى للأجور، قال ، سمعت به ولكن هل تستطيع ان تتكلم فببساطة يلقوا بك خارج العمل بدعوي انك ستعطل الشغل أو في الغالب يتهمونك بسرقة شيء ما كسبيل لفصلك، وفي النهاية انا الخاسر لانني على الاقل لم يعد لدي ما أكذب به علي صاب الحانوت(ضاحكا).
تركته في حسرة تامة على هذه الدولة التي يتشدق حكامها يوميا بحقوق العمال وبالانجازات التي تحققت في ظل رعاية فخامة القيادة الوطنية والتي لا تبدو في مجملها سوى وسيلة لطحن المواطن الفقير الذي لا يملك حول ولا قوة في مواجهة رجال أعمال مسيطرين في الغالب علي اتخاذ القرار مهما كان.
إن نطاما يكون الرئيس فيه متهما بممارسة التجارة سيكون دون شك بعيدا كل البعد عن السعي لمصلحة الطبقة الكادحة التي تكافح علي مختلف الاصعدة لتوفير لقمة العيش، هذا النظام الذي يتهم بالزبونية والمحسوبية في كل خطوة يقوم بها ليس مؤهلا بطبيعة الحال لحكم شعب فقير في الغالب، لان هذا النظام سيكون مشغولا بالبحث عن المصالح الشخصية التي تتناقض تماما مع المصلحة العامة وهذا بالضبط ما وقعت فيه موريتانيا بقيادة رئيس لا يملك من الشهادات ما يؤهله لقيادة بلد في أمس الحاجة الي من يعرف حاجياته الاقتصادية وكيف يتم الحفاظ عليها، بعيدا عن الخطط الارتجالية التي تتخذ علي عجل دون أدنى دراسة لجدوائيتها ومستوى مردوديتها علي الامدين الطويل والمتوسط .
وعلي ضوء المؤشرات الحالية التي تفرز كل يوم المزيد من التظاهرات العمالية المطالبة بحقوقها والطريقة الفجة التي تعامل بها من قبل هذا النظام فانه لا يبدو ان هناك سعي للرفع من المستوي المعيشي لهذه الفئة الضعيفة ماديا، وفي ظل تجاهل تام لتلك الاخري المتعلمة التي تواجه يوميا بمسيلات الدموع والضرب المبرح الذي يؤدي في بعض الاحيان الي الكسور ومزيد من الاعتقالات الغير مبررة فغلي أين يا موريتانيا؟.   

الأحد، 3 يونيو 2012

نقابة الصحفيين ......هل هذا إسمها ؟


 بحلول اليوم يكون الصحفي عبيد ولد إميجن قد قضي أربعة وثلاثين يوما خلف القضبان منذ اعتقاله فجر الثلاثاء 1مايو 2012 وذلك علي خلفية المقابلة التي أجرتها معه قناة العربية في برنامج آخر ساعة والتي بين فيها أسباب حادثة حرق الكتب الشهيرة، الا أن كل الأخبار المتداولة وحسب التسريبات التي ظهرت من التحقيق معه ثبت انه لم يكن على علم بحرق الكتب ولم يشارك فيها، ومع ذلك يستمر اعتقاله في خرق سافر لحرية الإعلام وحرية التعبير وحرية العدالة الذين بدأت علامات تراجعهما تتضح يوما بعد يوم ولا أدل على ذلك من إقالة رئيس المحكمة العليا في خرق واضح للنصوص القانونية التي تنظم ذلك.
تاريخ هذا  النظام شهد أحداثا مماثلة إذ تفنن في تكميم أفواه الصحفيين وليس بعيدا اعتقال الصحفي وصاحب موقع تقدمي حنفي ولد الدهاه الذي قضي فترة في المعتقل ظلما وعدوانا بسبب فضحه لنظام موغل في الظلم والتنكيل بأصحاب الكلمة الحرة، ومن ذلك قرصنة موقعة الذي كان متنفسا للعديد من الآراء الحرة والجريئة وهذا ما يحيلنا كذلك إلي قرصنة موقع الصحفي المعتقل عبيد ولد إميجن إذ توقف عن العمل منذ فترة  بفعل أيادي مخربة تسعي إلي إسكات صوت الحق لا يستبعد أن يكون ورائها النظام الحاكم.
ما يثير الريبة في هذا الأمر هو نقابة الصحفيين التي يبدو أنها مادية أكثر منها حرصا علي حماية الصحفيين وحريتهم وضمان سلامتهم بعيدا عن الشخصنة والمواقف المسبقة .
 قبل فترة وجيزة  تم فصل احد الصحفيين من إحدى المؤسسات فصدرت البيانات المنددة والمتعاطفة و الشروع في إطلاق النداءات الدولية لهذا الغرض، لا يمكن بأي حال من الأحوال ألا يتعاطف مع الصحفي المعزول ماموني ولد المختار وألا يندد بذلك، ولكن الا تعتبر هذه المسالة ازدواجية أو انتقائية ا وان شئت قل عنصرية، فهناك صحفي قرصن موقعه ولم تتكلم النقابة ، اعتقل لم تتكلم كذلك ، ماذا بقي بعد لتتحرك وتدلي بدلوها في هذا الموضوع، وابسط الضررين أن تطالب بمحاكمته محاكمة عادلة إذا لم تطالب بإطلاق سراحه، أليس هذا كيلا بمكيالين ؟ الا يعتبر هذا تجاهلا واضحا لمسالة ينبغي أن تكون من أولويات هذه النقابة وأن تكون شغلها الشاغل، لماذا هذا السكوت الذي يعبر عن نية مبيتة (ربما) لخنق هذا الصوت الحر، وإذا كان الأمر ليس كذلك فلماذا لا توضح موقفها؟  اللهم إن كانت أصلا تابعة للنظام وبوقا من أبواقه لا تقول الا ما يريد كما يحدث مع نقابة المحامين.
طبعا هذا الكلام ليس مقصودا به رئيس النقابة لأنه إنسان له سمعته ومكانته التي لا تخفي علي أحد فلقد حضرت معه احدي المحاضرات في احدي المراكز وهو لا يمكن أن يكون الا عادلا ومستقيما وهذا ما يشهد له به الكثير من الناس، الا أنني قد أجد عذرا لذلك فلاشك أن هذه النقابة تحوي بين منتسبيها من يقدمون الموقف الشخصي علي المهني ومن يرفضون الرأي والموقف المخالف وربما الإيديولوجيين الذين يرون في الحركة التي ينتسب لها هذا الصحفي المعتقل مجرد نشاز يغرد خارج السرب ولا يحق الدفاع عنه، وقد يدعم قولي موقف بعض المواقع الالكترونية خاصة موقع (المحيط) الذي يتخذ موقف معروفا من هذه الحركة ورئيسها فكثيرا ما ظهر عدم حياديته وتحريفه للأحداث وصبغها بصبغة البغض والسعي إلي التأثير علي القراء بتحرير المواضيع بصيغة معينة تخدم أهداف كاتبيه.
في الأخير فان صورة  نقابة الصحفيين علي المحك لدى جزء واسع من هذا الشعب الذي لا يخفي عليه مدي ازدواجيتها في تعاملها مع هذه المسألة وهي مطالبة بتبيان موقفها، فالمسألة تتعلق بحرية التعبير أولا وأخيرا وبصحفي ظلم على موقفه الحقوقي وأن تغلب الجانب المهني علي الآخر الأيديولوجي السلبي المبني علي مواقف شخصية حاقدة.     

الأربعاء، 23 مايو 2012

هل تصلح الديمقراطية لحكم المسلمين؟

الحق إنه سؤال إستفزازى ومهين لنا ويحمل الكثير من العنصرية والإستكبار.
لكنه مطروح الأن بقوة فى الغرب .
وخلال عشرات الندوات الأدبية التى شاركت فيها هناك كان هذا السؤال يتكرر دائما بل إن قطاعا من الكتاب والمفكرين الغربيين أصبح يعتقد ويعلن بصراحة أن البلاد الإسلامية غير قابلة لتطبيق الديمقراطية إطلاقا وأن الإسلام والديمقراطية نقيضان لايجتمعان .
وهم يدللون على ذلك بأن معظم الدول الإسلامية تحكمها أنظمة مستبدة .
والمسلمون يذعنون للإستبداد ويتعايشون معه ولا يثورون عليه أبدا .
وحتى عندما تنشأ ديمقراطية فى بلد إسلامى فإنها تكون ضعيفة وهشة وسرعان ما تسقط ليعود الإستبداد من جديد كما حدث فى موريتنيا منذ أيام .
ويضرب أصحاب هذا الرأى مثلا بتجربة الهند وباكستان .
فقد كانا بلدا واحدا ثم إنقسما فإذا بالديمقراطية تتطور فى الهند غير الإسلامية لتصبح من أكبر الديمقراطيات فى العالم بينما سقطت باكستان فى براثن الإستبداد مثل بقية الدول الإسلامية .
السؤال إذن مهم وعلينا أن نبحث عن إجابته .. لكن من باب الإنصاف علينا أولا أن نفرق بين الإسلام والمسلمين .
فقد جاء الإسلام بثورة عظمى فى تاريخ الإنسانية ودعا إلى الحرية والعدل والمساواة قبل الثورة الفرنسية بقرون طويلة وبفضل هذه القيم العظيمة .إستطاع الإسلام أن يبدع حضارة حقيقية شغلت ثلثى العالم القديم من أوروبا إلى الصين وقدمت إنجازات كبرى فى مجالات العلم والفكر والفن .
إلا أن العالم الإسلامى مر بعد ذلك بعصور إنحطاط غيرت من مفاهيم الإسلام والمسلمون اليوم كثيرا مايتبنون فهما خاطئا للإسلام يصل إلى حد التناقض مع مبادئه الحقيقية .. وهذه بعض الأمثلة :
أولا : يؤكد الإسلام الحقيقى حق المسلمين فى إختيار من يحكمهم ولا يمنح الشرعية إلا للحاكم الذى إختاره المسلمون بإرادتهم الحرة بل ويعطى الحق للمسلمين فى حجب الثقة عن حكامهم فى أى وقت ..
وكلنا نذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حضره الموت لم يفرض على المسلمين شخصا معينا ليحكمهم بعده , ولو أنه فعل لما راجعه أحد فى ذلك , لكنه أراد أن يرسى حق المسلمين الديمقراطى فى إختيار حاكمهم بإرادتهم الحرة .. وقد نتج عن ذلك أن عقد المسلمون إجتماع السقيفة وهو بلغة اليوم إجتماع برلمانى ديمقراطى من طراز رفيع .
هذا هو الإسلام الصحيح أما الفقه الذى ورثناه من أزمنة الإنحطاط فهو على العكس تماما , يطالب المسلمين بالطاعة المطلقة للحاكم حتى ولو كان مغتصبا للسلطة , حتى لو سرق مال المسلمين وظلمهم فإن واجب المسلمين طبقا لهذا الفقه . أن يطيعوا هذا الحاكم الظالم الفاسد فلا يخرجون عليه أبدا مادام مسلما ..  وإذا فرضنا أن الحاكم أعلن كفره وخروجه عن الإسلام و(( هو إفتراض لن يحدث أبدا )) فإن واجب المسلمين ألا يثوروا عليه إلا إذا تأكدوا تماما أن الثورة ستنجح وحيث إنه لاتوجد ثورة تتأكد تماما من نجاحها قبل قيامها فإن هذا الكلام يعنى عمليا مطالبة المسلمين بالإذعان المطلق للإستبداد ..
وإنتشار هذا الفقه يفسر لنا تناقضا كبيرا : فالمسلمون فى مصر وخارجها يثورون بحق ضد المذابح التى ترتكبها إسرائيل ضد أهلنا فى فلسطين .. وهم يحشدون المظاهرات الغاضبة , بحق أيضا ضد الرسوم المسيئة فى الدانمارك أو ضد قرار منع الحجاب فى مدارس الحكومة الفرنسية .. لكنهم لايتظاهرون أبدا ضد تزوير إرادة الأمة أو قانون الطوارىء أو التوريث .. السبب فى ذلك أن الفقه الذى ورثناه من عصور الإنحطاط لايعترف بحقوق المسلمين السياسية ويطالبهم بالإذعان للإستبداد .
ثانيا : بينما يحرر الفهم الصحيح للإسلام الإنسان من الخوف والذل .. فيتخذ المسلم فى حياته الموقف الذى يمليه عليه ضميره ويعبر عما يعتقده وهو يعلم أن رزقه وحياته فى أيدى الله سبحانه وتعالى .
وأن أحدا لايملك أن يؤذيه أو ينفعه إلا إذا شاء الله . هذا المفهوم الثورى للقضاء والقدر قد تحول فى أزمنة الإنحطاط إلى خنوع وسلبية , إلى تواكل يجعل المسلمين يتقبلون الفقر والظلم والبؤس بإعتبار أن ذلك قدرهم المفروض عليهم لاسبيل إلى تغييره ولا يحق لهم الإعتراض عليه .. وقد إشتهرت مقولة لداعية كبير كان يردد أن الفقير كثيرا مايكون أغنى من الأثرياء …
وعندما يسأله الناس كيف ذلك .. يقول إن إبن الفقير نادرا ما يمرض وإذا مرض تكفى حبة اسبرين لعلاجه بينما إبن الأثرياء قد قد يتكلف علاجه آلاف الجنيهات ..
وهذا الكلام بالطبع غير صحيح فالمستشفيات العامة ومعاهد الأورام والكبد والقلب مكتظة عن آخرها بأبناء الفقراء …
وهذا المنطق يحجب عن الفقراء رؤية مدى الظلم الواقع عليهم ويساعد على تقبلهم لأوضاعهم البائسة بإعتبارها قدرا لامفر منه .
ثالثا : بينما يدعو الإسلام إلى العمل الجاد والأخذ بأسباب التفوق والنجاح وتبنى المنهج العلمى الموضوعى لفهم العالم فإن الفهم الخاطىء للإسلام يفصل تماما بين الخاص والعام , وبين السبب والنتيجة ..
منذ أيام كنت أشاهد برنامجا دينيا تقدمة سيدة من مشايخ الفضائيات , تقضى البرنامج فى الإبتهال والدعاء للمسلمين على الهواء (( وتقبض مقابل ذلك عشرة آلاف جنيه عن الحلقة الواحدة )) …
وأثناء عرض البرنامج إتصل بها أحد المشاهدين ليستشيرها فى مشكلته :فقد كان رجل أعمال ناجحا وغنيا ثم تعرض لأزمة فأفلس تماما وتراكمت عليه الديون . وهنا سألته الشيخة إن كان يواظب على الصلاة  ولما أخبرها أنه أحيانا ينقطع عنها أكدت له الشيخة أن عليه أن يواظب على الصلاة والدعاء عندئذ سوف تحل كل مشاكله ..
وغنى عن البيان أن هذا الرجل قد يكون قد أفلس نتيجة لإهماله فى العمل أو لأنه لم يستعن بأصحاب الخبرة فى مشروعاته . أو نتيجة لتضارب قرارات الحكومة أو فساد المسؤلين الحكوميين .. إلا أن السيدة الشيخة لم تسأله إلا عن الصلاة والدعاء . وهذه القراءة الخاطئة للإسلام تحجب العقل وتستبعد المنطق وتحذف البعد الإجتماعى والسياسى عن كل ما يحدث فى حياتنا ..
وهى بالطبع تصب فى النهاية فى مصلحة الحاكم المستبد الفاسد لأنها تعفيه من المسؤلية مادامت كل المصائب التى تحدث للمسلمين لاتعتبر نتائج لفساد الحكم وإنما بسبب التفريط فى العبادة والصلاة .
إن الإسلام الحقيقى قد طبق مبادىء الديمقراطية قبل الدول الغربية بقرون طويلة . بل إن كل ما يحفظ كرامة الإنسان وآدميته وحقوقه هو من صحيح الإسلام .
إلا أن المسلمين لديهم فعلا قابلية للإستبداد أكثر من سواهم نتيجة لفهمهم الخاطىء للإسلام .
إذا أردنا أن تغير واقعنا علينا أن نغير فهمنا للإسلام . يجب أن نعيد إكتشافنا لمبادئه الحقيقية , عندئذ سوف تتحقق الديمقراطية وتنهض الأمة .
إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم ..
http://alaaalaswany.maktoobblog.com/1227144/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%87-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%A8%D9%88%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D9%87%D9%84-%D8%AA%D8%B5%D9%84%D8%AD/

الجمعة، 18 مايو 2012

الوحدة الوطنية....الواقع والآفاق


يتشكل النسيج الإجتماعي الموريتاني من مجموعات عرقية هي العرب (البيض والسمر) دون الخوض في ماورائيات هذه التسمية علي الرغم من الميل الواضح للفئتين الي التآلف والركون الي السلم، بالإضافة الي الزنوج الذين يتكونون من ثلاث مكونات هم البولار والوولف والسونونكي، وتعتبر المحافظة علي هذا النسيج متماسكا مهمة صعبة هذه الأيام نتيجة الإفرازات الجديدة مع التطور في التقنيات الجديدة وما يعزيه البعض الي نضوج ملاحظ  في المكونات المختلفة.
ومع كل هذه الإرهاصات الجديدة تبدو الحاجة ماسة الي اعادة النظر وتقييم مسار الوحدة الوطنية ومعرفة النواقص التي ظهر علي اثرها  هذا الحراك الجديد.     
فكثيرا ما يتم تناول موضوع الوحدة الوطنية في وقتنا الراهن و كذا في الأيام والأسابيع والأشهر الماضية،
وإذا ما نظرنا مليا فإن السياسيون هم الأكثر طرقا لهذا الباب، فاتحين المجال بذالك أمام تساؤلات مختلفة حول مدي تماسك فئات المجتمع فيما بينها، وإلي أي مستوى يمكن أن يصمد هذا التماسك؟ وهل هو مهدد؟ أم لا، وهل البلد يسير نحو مصير مجهول إذا ما عولج موضوع الوحدة الوطنية بأسرع ما يمكن ؟.
وقد تم وضع عدة اقتراحات حول سبل تدعيم الوحدة الوطنية من مختلف أقطاب الساحة السياسية ، كل يضع حسب تصوره الحلول اللازم تطبيقها للوصول إلي وطن متماسك وصلب في وجه تحديات مرتقبة في المستقبل المنظور ولعل هذا ما كان نصب اعين اللجان التي تشكلت خلال ماعرف بالحوار الوطني الذي جري في الفترة من 17 سبتمبر و 19 أكتوبر والتي جاء فيها (اتفاق الطرفان على أهمية تعزيز وتدعيم الوحدة الوطنية، انطلاقا من قيم تمليها طبيعة التعدد الثقافي لشعبنا والحق في الاختلاف، مما يتطلب، إضافة إلى توطيد اللغة العربية كلغة رسمية للبلاد، تطوير وتنمية لغاتنا الوطنية. فمستقبل دولتنا ونموها المنسجم يرتبطان إلى حد كبير بالوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية. إن إرادة سياسية قوية للقضاء على مخلفات الرق ولتوفير ظروف حياتية كريمة للطبقات الأكثر هشاشة من مجتمعنا، تشكل شرطا لا غنى عنه للمحافظة على وحدة الشعب الموريتاني وتماسكه الاجتماعي).
مفهوم الوحدة الوطنية
تأخذ الوحدة الوطنية عدة مفاهيم حسب الزمان والمكان فلقد عرفها محمد عمارة بأنها التآلف بين أبناء الأمة الواحدة من خلال الروابط القومية علي أساس من حقوق المواطنة التي ترفض التمييز والتفرقة بين أبناء الأمة بسبب المعتقد أواللون.  ويعرفها عبد الرحمن الكواكبي بأنها تجمع الناس علي أساس قومي بغض النظر عن الاختلاف في العقائد والمذاهب والألوان.
ويمكن أن يعتبر المفهوم المعتمد للوحدة الوطنية........هو :تحقيق التفاعل والتلاحم بين جميع أفراد الشعب بغض النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية أو الثقافية أو الدينية أو الإثنية أو اللغوية أو الطبقية أو القبلية بما يساهم في تحقيق الأهداف التالية :
1- احترام وحدة البلاد ولغتها الرسمية ( لغة الأغلبية ، وثقافتها الوطنية )  مع إعطاء العناية اللائقة للغات الوطنية الولفية والبولارية والسونونكية.
2- تحقيق الحرية والعدالة والمساواة لجميع فئات الشعب أمام القانون.
3- تحقيق التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين الشعب والنظام السياسي بما يحقق الرفاهية الاقتصادية للفرد والمجتمع
●- دور التعليم والثقافة والتربية في ترسيخ الوحدة الوطنية
للتعليم والتربية دور في تحقيق الوحدة الوطنية من خلال التعريف بتاريخ البلاد، ، وتعريف الأفراد بحقوق وطنهم وحقوقهم ، وهو ما يمكن أن يحدث نوع من الوعي لدي أفراد الشعب ، بأنهم ينتمون لدولة واحدة ، تتخطي الجماعات الصغيرة ، كالعائلة أو القبيلة أو القرية ، ووسيلة ذالك هي المدرسة التي تساعد علي إحساس مشترك بالوحدة الوطنية  وأن يحل الولاء للدولة محل الولاء للقبيلة ، فالمدرسة تغرس في نفوس طلابها روح الحوار والمناقشة في كل ما يمكن أن يكون عليه خلاف في الرأي ، وهذا سيعودهم علي المناقشة لأمورهم الهامة المتعلقة بمصير الدولة وبوجودها ككيان متحد، وسيطور الإحساس بالتسامح إزاء الآخرين المخالفين لهم ، خاصة إذا عملت المدرسة علي إسقاط كل ما من شأنه أن يزيد الحساسيات بين فئات المجتمع، في مناهجها المدرسية حتى وإن كانت تلك الحساسيات موجودة وحقيقة تاريخية ،لأن القلوب لا تتفق إلا إذا اعتادت الوئام منذ الصغر، إلا أن الطريق الذي يمكن أن يكون أكثر فاعلية في ترسيخ حب الوطن هو تدريس الدستور الوطني في المدارس الابتدائية وضرورة تطبيق مواده خاصة إذا علمنا أن مواده تنص علي تساوي جميع المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز مما يعزز في حال إتباعه الوحدة الوطنية فالبعض يعرف الوحدة الوطنية بأنها الالتفاف حول الدستور والنظام الأساسي الدستوري .
●- العوامل المؤثرة علي الوحدة الوطنية سلبا وإيجابا
ثمة عوامل إيجابية وسلبية تؤثر علي الوحدة الوطنية وهي تنقسم إلي قسمين رئيسيين هما :
أولا:العوامل الايجابية
هنالك عوامل إيجابية عديدة تساهم في تقوية الوحدة الوطنية في الدولة، وتساعد علي تثبيتها، وإن عدم وجود أحد هذه العوامل أو مجموعة منها سيزيد من ضعف الوحدة الوطنية وأهم هذه العوامل هي:
ــ التمازج العنصري بين أفراد الشعب
ويكون ذالك من خلال التزاوج والتداخل بين أفراد الشعب بكل مكوناته المختلفة (حسب رغبة الشخص بطبيعة الحال )، ورغم أن هذه العملية قد تطول لتؤتي المرجو منها إلا أنها يجب أن تتم من خلال التوافق والتراضي ، وأن يسبقها عملية استيعاب لهذه الفئات بهدف الوصول تدريجيا إلي امتصاص هذه العناصر في بوتقة واحدة بشرط ألا تكون هذه العملية مثار سخط من بعض فئات المجتمع .
ـــ دور اللغة والأعراف والعادات والتقاليدٍ
للغة دور مهم في تحقيق الوحدة الوطنية بين أفراد الشعب لأنها تقاربهم في الفكر وتجعلهم يتماثلون ويتعاطفون أكثر من سواهم ممن يتكلم لغات أخري وتصبح هذه اللغة سمة مميزة لهم من خلال جعلهم متماثلي التفكير والشعور بالانتماء داخل الوطن الواحد.
 ثانيا:العوامل السلبية
ــــ عدم التوافق الطائفي والقبلي بين أفراد الشعب :
إن استغلال السلطة السياسية للدين بغرض اللعب به كأداة في يدها سيؤدي بها إلي تفسيره حسب ما يتواءم مع ما تعتقد أنه هو المصلحة العلي للبلد وهذا ما قد يعتبره البعض الآخر غير مبرر خصوصا إذا كانت هناك عدة تفاسير للموضوع المعني وهذا ما يهدد بدوره بتصادم بين أتباع الجانبين ، وينفي وجود رأي عام موحد تجاه المشاكل العامة ، كما أن ذالك يؤدي إلي ابتعاد أبناء الوطن عن التعاضد والتآخي وهذا يؤدي بدوره إلي إعاقة التجانس والانصهار بين أبناء الشعب الواحد.
ــــ افتقار النظام السياسي إلي الشرعية:
وذالك إذا فقد النظام أحد عناصر الشخصية التي حددها كارل دويتش بما يلي :
 اعتراف الأحزاب والجماعات السياسية كلها بالقوانين
تكون القوانين واضحة ليس بها غموض ومتناسقة ليس بها تناقض
يدرك الجميع أن القوانين ليس بها تمييز لفئة ما
تتوفر الثقة لدي كل فرد بأن الجميع سوف يخضعون ويتمسكون بالقوانين
 تعترف القيادة السياسية بنيتها تطبيق القوانين
وعدم تحقق هذه العناصر سينقص من شرعية النظام السياسي، وسيضعف الوحدة الوطنية في المجتمع ،  ويتيح المجال أمام القلاقل الاجتماعية التي تؤدي إلي تصدع المجتمع.
ومن السمات التي تظهر عدم وجود وحدة وطنية بسبب النظام السياسي ما يلي:
ــ الإضرابات العامة التي تقوم بها مختلف القطاعات
ــ وجود أزمة حكومية داخل البناء السياسي
ــ  وجود أعمال شغب داخل الدولة
ــ وجود مظاهرات معادية للحكومة
المجال الثقافي
كل مجتمع يتكون من مجموعة أو مجموعتين عرقيتين فأكثر لا محالة سيكون زاخرا بالتنوع الثقافي الخاص بكل مجموعة عرقية ومنه يجب الاعتناء بكل موروث ثقافي خاص بمجموعة معينة حتى تشعر بمدي الاهتمام المعطي لها فالثقافة هي الضامن شبه  الوحيد لاستمرارية المجتمعات البشرية في الوجود، وبديهي أن أي مجموعة تشعر بالزوال ستبذل أقصي جهدها للبقاء حتى ولو كان علي حساب الوطن ومن هنا تبرز أهمية الاهتمام بالمجال الثقافي.
المجال السياسي
 وذالك بخلق قنوات الاتصال الحكومية والسياسية الفعالة القادرة علي إقامة الصلة بين المواطنين والدولة، وضمان تمثيل جميع فئات المجتمع في الحياة السياسية حسب الوزن الشعبي الذي تمثله كل طائفة من طوائف المجتمع المختلفة وذالك عن طريق الحوار الجاد وليس الحوار من أجل الحوار.                   
المجال الاقتصادي والإداري
إن تعدد الفئات داخل أي مجتمع سيوجد نوعا من عدم الرضي لدي بعضها حيال الطريقة الممكن أن تحصل بها علي ما تري أنه حقها المشروع من مناصب إدارية وغيرها، ولتفادي هذا النوع من التذمر أشار البعض بضرورة التقسيم العادل للدخول وسلامة التعامل مع المتقدمين لشغل المناصب الحكومية في الدولة.
دور الإعلام في تجسيد الوحدة الوطنية
يمكن للإعلام أن يلعب دورا محوريا في تجسيد الوحدة الوطنية وذلك انطلاقا من دوره كوسيلة للتوعية والتثقيف والتوجيه ،بنفس القدر الذي يمكنه أن يلعب دورا سلبيا في التفرقة والتحريض،وخاصة في عصرنا الحاضر الذي انتقل فيه الإعلام من ترتيبه التقليدي كسلطة رابعة  إلى سلطة أولى في العديد من البلدان الديمقراطية، حيث يسود مناخ حرية التعبير والنشر،وهي البيئة الملائمة التي تمكن الصحافة من التأثير بشكل مباشر في اتخاذ القرار بالاعتماد على وسائلها المشروعة،شريطة أن تكون هذه الأخيرة محكومة بضوابط المسؤولية واحترام نصوص القوانين والدستور والمقدسات الوطنية .
ولذا نلاحظ أن قدرة الصحافة على التأثير تختلف من بيئة إلى أخرى تبعا للانفتاح الديمقراطي ، فإذا كانت الصحافة مثلا قد وصلت إلى درجة كبيرة من الاحترام والقدرة على التأثير في الغرب وبعض الدول النامية، فإنها لازالت تعاني من الكثير من القمع وتضييق الخناق في البلدان التي تتحكم فيها أنظمة قمعية ورجعية وهو ما يحولها  إلى أداة في يد تلك السلطات تمرر من خلالها خطاباتها الفارغة وتستخدمها لأغراضها الخاصة.الأمر الذي يفرغ الرسالة الإعلامية من محتواها ويجعلها عاجزة عن لعب أي دور ايجابي،وبالتالي تصبح أداة هدم بدل البناء.
فالإعلام مثلا يمكن أن يلعب دورا رئيسيا في تجسيد الوحدة الوطنية بتقريبه لوجهات النظر بين مختلف شرائح المجتمع وقومياته وذلك بالانفتاح على الجميع ومنح المواطنين  الفرصة لإبداء آرائهم  بكل حرية عبر المنابر الأساسية كالتلفزيون والإذاعة ووسائل النشر الأخرى ومن ثم إثارة القضايا الخلافية الجوهرية والبحث لها عن حلول مناسبة بدل التعتيم عليها.
كما ينبغي للإعلام أن يسلط الضوء على القضايا التي تجمع بين مختلف مكونات المجتمع، باعتبارها مسائل تقرب وتوحد، كالمصير المشترك والدين والوطنية، فالاختلاف والتنوع يعتبر مصدر قوة للشعوب، لأنها ظاهرة صحية يمكن أن تستغلها الشعوب لبناء نهضتها والأمثلة على ذلك كثيرة.

الاثنين، 14 مايو 2012

رأيكم يهمني

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

blogtopsites'