السبت، 25 مايو، 2013

الدلائل تشير إلى ذلك... لنغير الدستور مجددا !



لما جرت الإنتخابات الرئاسية التي جاءت بسيدي ولد الشيخ عبد الله لسدة الحكم هلل لها الكثير من الموريتانيين بوصفها أول إنتخابات شفافة ونزيهة وبوصفه هو أول رئيس مدني لدولة في الركن القصي من ما يسمى العالم العربي رغم إدراك تأثير اليد – على الأقل بالنسبة للبعض-  الخفية لمجموعة الضباط العسكريين الحاكمين والمتحكمين آنئذٍ.
جرت الانتخابات إذا وصار كل شيء وفقا للدستور المقدس، الذي قِيلَ وقتها أنه من أفضل دساتير المنطقة ولا يمكن الحصول على أفضل منه، هذا الدستور الذي يحدد الفترة الرئاسية في أربعة سنوات ويحدد طريق معين للوصول للسلطة، لكن بقية القصة معروفة، فالمصالح الشخصية حملت العسكر للقضاء على تلك القدسية التي كنا نتوهم أن الدستور الجديد يحملها على عِلاّته الكثيرة جدا.
دستورٌ هذا وضعه، خاضعا بشكل مستمر لنزوات قادة عسكريين معينين يبعث على التشاؤم المستمر فيما يتعلق ببناء دولة مدنية مطلوبة بإلحاح، يعترض هذا المطلب المشروع للدولة المدنية جشع مجموعة من الموالين للسلطة من مختلف الأطياف والمستويات دون استثناء مطلقا، فالمصلحة الذاتية في هكذا بلد تجعل رجل الدين الورع يتخلى عن ورعه دون خشية ولا وازع ديني، أما الرجل القانوني فسيهرع في رمشة عين لإيجاد المخارج القانونية الممكنة لنجاة الإنقلابي الجديد بفعلته مقابل مكافئة من حقوق الشعب سينالها حالما تستقر الأمور في يد هذا المخلص رئيس الفقراء، أما – السياسي- فحدث ولا حرج قمة التطبيل والتزمير لأن هذا ديدنه.
قد لا يكون الوقت حان للحديث عن هكذا موضوع لكن صدقوني دول العالم الثالث لا يوجد بها شيء ثابت مطلقا فلا تنسوا أن دستورنا الأعرج منذ نشأته يحدد طريقا للوصول للرئاسة فهل تم ذلك؟ ، مطلقا، ليس هذا وحده فقط عليك أن تعمل ذهنك قليلا لتجد نفسك محاطا بكم هائل من التجاوزات الدستورية التي لا حصر لها، من هنا يمكننا الحديث عن تغيير دستوري قادم لا محالة فلقد كبر الحجم عن المقاس وصار لزاما على المطبلين خياطة ثوب دستوري جديد على مقاس السيد المحترم، الذي يبدو أن حجمه قد تجاوز المقاس الحالي.
الأنظمة الدكتاتورية في العادة خبيرة جدا بكيفية قلب الموازين بشكل مثير، ليس بعيدا عن الأذهان كيف أن مجموعة (برلمانيين) أو هكذا يوصفون، يقودون حملة شرسة للإطاحة بنظام شهدوا بشرعيته لما كان سادتهم العسكر يرون ذلك، والغريب أن هذا الأجراء الذي توج بعملية انقلابية كمحصلة لجهدهم النبيل نبع من البرلمان نفسه حيث تجب المحافظة على الشرعية – إن وجدت - .
يكفي إذا أن يشير سيادته ولو بشكل خفي لآلته التطبيلية لتبدأ العمل على تنفيذ تلك الأوامر دون تردد أبدا،. صدقوا أو لا تصدقوا ، فنظام بدأ يجمع القبائل من أقصى الوطن إلى أقصاه لتعلن دعمها ومساندتها لرأس النظام أو لحزبه لا فرق وتقف تلك القيادات مزهوة بهذا الإنضمام القيم الجديد، ليس هذا سوى دليلا على أن هذا النظام يسعى للبقاء فترة أطول مما هو متوقع، قد يقول قائل هذا من أجل الانتخابات الصورية والمسرحية الهزلية القادمة لكن لا تستبعدوا وجود نظرة أبعد من  ذلك، فالرئيس الانقلابي السابق معاوية ولد الطابع لما فرض مسرحية التعددية الحزبية في بداية التسعينات بدأ بنفس الطريقة والنهج الذي خيل للبعض حينها أنه يسعى من خلاله للإصلاح، لكن أنتم أدرى بما حدث بعد ذلك.
النظام الحالي ليس جديدا على الحكم فهو وليد سابقه الذي دام حوالي عقدين بل كان أقرب مما تتصورون وخبر كل مكائد الحكم وهو خبير بكيفية تدجين الكثير من الممانعين الجشعين فالتعيين القبلي والجهوي بلغَ مداه وكل السياسات التي تدل على بقاء النظام فترة أطول بادية للعيان.
إذا ما على القوى المدنية الفاعلة لكي تحافظ على ما هو موجود من الدولة الموريتانية هو الوقوف بحزم أمام العمليات الخبيثة التي سيستهل بها النظام طريقه لمحاولة البقاء فترة أطول مما هو منظور، أعني هنا وبالتحديد كافة الشباب الفاعل الذي وضع نفسه رهن إشارة المصلحة العليا لموريتانيا بعيدا عن التحزب و ما شاكله من طرق الخضوع الممنهجة، وليستمروا في نشاطاتهم الرامية إلى تجسيد الروح المدنية للدولة الموريتانية التي تعاني من تدمير ممنهجٍ لكل ما يمكن أن يكون بذرة لمدنية الدولة مستقبلا.
      

الجمعة، 17 مايو، 2013

إشكالية الإنتخابات بين النظام وأحزاب المعارضة إلى أين ؟




بعد الكثير من الإعداد والتجهيز والترويج قدم رئيس البرلمان مبادرته لمختلف الاطراف السياسية و تدارسوها وقدموا ملاحظاتهم عليها ، وكانت المعارضة الراديكالية قد قدمت هي الاخرى ردها الايجابي إلا أن رد الجنرال بعدم الموافقة على أهم بند بالنسبة لأحزاب المنسقية المتمثل في تشكيل حكومة توافقية للإشراف على الانتخابات دفعها إلى مراجعة وجهة نظرها من المبادرة لتضع شروطا لمشاركتها في الانتخابات سنأتي على بعضها لاحقا.
منسقية أحزاب المعارضة كانت قد بدأت منذ 2011 تحركها المعروف والمطالب بإسقاط النظام والذي مر بفترات مد وجزر - الرصاصات الصديقة مثلا - لتعجز عن تحقيق هذا المسعى إلا أنها ما زالت تطالب به على استحياء كلما وجدت إلى ذلك سبيلا ، وهي التي قل زخمها كثيرا في الفترة الاخيرة.
بعض أحزاب المعارضة ( المعروفة بالمعاهدة) وبعض الخارجين من عباءة حزب المافيا أي حزب (الحرباوات المتلونين)، شكلوا قطبا سياسيا غير رسمي من أجل الدخول في المسرحية الهزلية المقبلة والذين وافقوا على مبادرة رئيس برلمان النائمين ، إذ من المؤكد أنهم سيشاركون في هذه المسرحية ، وهو ما يشكل تهديدا لأحزاب المنسقية حيث ستعتبر مشاركتهم نوع من إضفاء الشرعية على المهزلة المزمع تنظيمها في شهري سبتمبر وأكتوبر.
المنسقية بعد عدم الموافقة على أهم بند في مبادرة مسعود وهو تشكيل حكومة توافقية للإشراف على الانتخابات تنادت و أصدرت وثيقة جميلة وأنيقة في مضمونها ولكنها غبية واقعيا وتعرف أحزاب المعارضة أن النظام لن ينظر فيها أحرى عن نقاشها ، أما الموافقة عليها فأمر مستحيل ، كل ذلك نظرا للعنجهية التي يتميز بها ولا مبالاته بكلام فارغ - من وجهة نظره طبعا - لما تضمنته.
أول مطلب تضمنته كان رحيل النظام ، وهو أمر غير ممكن الحدوث طبعا نظرا لعجز المنسقية عن تحقيقه في عز قوتها المستمدة من الاوضاع المحيطة آنئذ ناهيك عن حالها اليوم.
المنسقية في وثيقتها قالت إن بيان اللجنة غير شرعي لأنه جاء من طرف واحد وأن محمد ولد عبد العزيز و وزيره الاول غير مؤهلين ، بطبيعة الحال فلو كان الأول منهما مؤهلا لما نفذ انقلابا بحجج واهية نعيش اليوم وضعية أصعب وأعمق منها ونفس الشيء ينطبق على الثاني وزيره الاول الذي ارتضى العمل مع هكذا انقلابيين.
الواهم من يعتقد أنه من الممكن تنظيم انتخابات نزيهة وشفافة في ظل نظام عسكري انقلابي قائم على المصالح الضيقة والتزوير وأكل المال العام ، والواهم كذلك من يعتقد أن منظومة تم نسجها منذ بداية سلسلة الانقلابات اللعينة بين مجموعة من رجال الدين المتمصلحين الداعين الى طاعة ولي الامر – الانقلابي - مهما يكن ، وجوقة الزعماء التقليديين الذين لا يفقهون أي شيء لا عن الديمقراطية ولا حقوق الانسان ولا حرية التعبير وجماعة رجال الأعمال الساعين دائما الى التحصيل وزيادة الدخل على حساب الفقراء والمطحونين في قاع المجتمع ، كل هذه الأطراف مجتمعة تجعلك في حل من التفاؤل في أي انتخابات يراد لها أن تكون شفافة ونقية. 
الانتخابات من هذا المنطلق محسومة النتائج ومن العبث المشاركة فيها لأن الأهم  و السعي الى تحرير موريتانيا من القبضة العسكرية التي تعيدها الى الوراء في غالب الوقت عبر ولاءاتها الضيقة. 
من المعروف أن المنسقية بوضعها لهذه الشروط للمشاركة لا تعدو كونها ردا على رفض النظام لحكومة توافقية للإشراف على الانتخابات وهو ما جعلها ترفع شروطها عاليا من خلال مطالبتها بتغيير كل من المدير العام للحالة المدنية ومدير السجل الانتخابي ورئيس المجلس الدستوري باعتبار هذه الهيئات الثلاثة هي المعنية الأولى بنزاهة الانتخاب وما سمته بحياد وسائل الدولة ، بالإضافة الى اللجنة المستقلة للانتخابات التي تم تعيين أعضائها بعد الحوار الصوري الذي أجراه النظام مع احزاب المعاهدة ، ومن المعروف أن كل هذه الهيئات تم تعيين رؤسائها من قبل النظام الشيء الذي يؤكد أنها لن تكون حيادية بالمطلق في الإشراف على العملية الانتخابية ، هذا جزء يسير من المآخذ التي يفترض أن يغيرها النظام إذا كان يريد اعترافا ومشاركة حقيقيين في الانتخابات المزمع تنظيمها في المستقبل القريب.
احد أبواق النظام في رده على وثيقة المعارضة اعتبر وثيقة المعارضة الاخيرة نكوصا عن موافقتها على مبادرة مسعود ولد بولخير وقال أنهم في الأغلبية – المزعومة - يرفضون تأجيل الإنتخابات ، ناسيا أنهم مجموعة من منفذي الأوامر فقط ، على رأس النظام ان يشير إلى أمر ما لتراهم يتدافعون لتنفيذ توصيات سيادته بآلية مقيتة ، هذا ما يجيدونه ولا شيء غيره ، ثم عن الأغلبية المزعومة لا تعدو كونها مجموعة من أصحاب المصالح اجتمعت من فتات الاحزاب التي سبحت وحمدت يوما بفضل معاوية ولد الطائع وغيره من الانقلابيين المتعاقبين ، فعن أي أغلبية يتحدث.  
المعارضة بدورها بحاجة إلى مراجعة مواقفها بينياً لأنه من شبه المؤكد أن أحزابا من بينها لن يمنعها لا اتفاق ولا انضمامها للمنسقية من المشاركة في الانتخابات وهي معروفة للجميع إذ ترى أنها تملك في رصيدها من المناضلين ما يخولها ذلك في حين أن هذه الجموع التي تتشدق بها يمكن أن ينسفها النظام في لحظة واحدة بحيله المعروفة.
إلا أنني أرى أن أي موقف مشرف يجب أن تأخذه منسقية أحزاب المعارضة يجب أن يكون مقاطعة الانتخابات نهائيا لأنها دون شك ستعود تندب حظها أو على الأقل من سيشارك منها في هذه المهزلة ، لكن هيهات.  

الثلاثاء، 14 مايو، 2013

قصة قصيرة بعنوان : لَسْتَ رَجُلاً



لَسْتَ رَجُلاً
في تلك اللحظة الهادئة، اجتاحني ذلك الشعور المفاجئ، لم تكن لحظة مناسبة شيئا ما ، كانت مليئة بالتأمل ، لحظة لا وعي، سبات عميق ، شعور لا إرادي مبهر، كنت استحضر لحظات حاسمة مررت بها إبان تجربة فاشلة ،قاسية،لا أعرف كيف اقتحم ذلك الشعور المقيت سكوني النادر ذاك و في فترة خواء شعوري فريدة.
 استجمعت كل قواي العاطفية و كلماتي اللطيفة، الساحرة، رتبتها في ذهني بعناية، انتظر اللحظة المناسبة لانقض عليها في وقت لا تملك فيها مناعة ضد شعوري الجارف، لكن تلك اللحظة لم تحن، على الأقل في ذلك التوقت المشهود، أو ربما لم أجد القوة الكافية. لقد قال زميلي إني أضعف في اللحظات المناسبة دائما، وهكذا تفوتني الفرصة باستمرار، لقد قال لي ذات مرة ، أنت مستودع الكلمات العاطفية لأنك لا تقدر على البوح بها أبدا، لقد جرحني بعمق، في رجولتي، في كرامتي كعاشق.
قررت أن أدخل في تلك العملية الانتحارية اللطيفة، انتظرت كالعادة على قارعة الطريق الأبدي الاعتيادي، مركزا على الاتجاه الذي سيطلع منه البدر، إنه بدر الصباح الباكر، المارة يرمقونني بنظرات باردة وغريبة، قلت في نفسي لعلهم لاحظوا وجودي في هذا المكان باستمرار، تجاهلتهم وركزت ناظري في اتجاه الشروق  بثبات لا يلين، أكاد لا ترمش عيناي، لقد حزمت أمري ، سأمطرها بمكنونات قلبي التي باتت تأرقنى.

الثلاثاء، 7 مايو، 2013

قصة قصيرة بعنوان : مدير كبير بالوزارة



من جوجل
فتح محمد سالم الباب صباحا وهو يردد عبارته الأبدية "سبحان الله ،سبحان الله ....." ، الساعة تشير إلى الثامنة والنصف، يرتدي قميص أحمر فاتح، بنطلون أخضر عركته السنين، على ما يبدو، عمامة تتدلى منها قطعة على ظهره علامة خاصة بنوع من المتدينين الورعين، ولحية كثة غير ممشطة تتخللها شعرات شيب قليلة جدا، يبدو نحيلا نوعا ما، منظره العام يفرض عليك احترمه ، فهو من رواد المساجد و علامة الصلاة بادية على جبهته تنحسر عنها العمامة قليلا كأنه يفتخر بها، نظر إلي بوجهه النحيل وقال لي باسما: ماذا تفعل هنا في هذا الوقت بني؟ وأردف ، السيد المدير لن يأتي الآن، سيذهب بأبنائه إلى المدرسة ومن ثم يعود للبيت ليستحم قبل أن يمر بزوجته الثانية، لكنه استدرك بشكل مثير، قائلا ، استحلفك بالله لا تذكر الكلمة الأخيرة لأحد ، خاصة السيد المدير، لقد أوصاني بكتمان هذا الأمر، إنه يثق في كثيرا وإذا سمع بالأمر سينقطع رزقي، بادرته قائلا، الرزق عند الله، وأنت لاشك تدرك ذلك، ولكن اطمئن من هذه الناحية، هذا لا يهمني. رجع له شكله الطبيعي وقال بنبرة عادية خالية من الفزع، هل تبحث عن عمل؟، أشرت برأسي أنْ نعم، قال ، سأكلمه لك ،ثق بي، اعتبر نفسك حصلت على عمل منذ الآن، أنا مخزن سره، لا يرد لي طلب، لقد توسطت لقريب عندي وعينه على أملاكه الخاصة، ولكنه استقال منذ فترة قصيرة ، ولم يقل لي السبب. بعد ساعتين من الانتظار أقبل السيد المدير بجسمه الممتلئ ووجهه المستدير، بشنب مفتول إلى الأطراف، يضع نظارات فوق أنفه الطويل قليلا، تظهر عليه الراحة بكرشه البارز إلى الأمام وعجزيه الذين يرتفعان وينخفضان بوضوح شديد عندما يسير، رأسه أصلع نظيف إلا من شعيرات قليلة فوق أذنيه الصغيرتين، نظر إلي شزراً، أقف ملاصقا لباب مكتبه، ومحمد سالم ينظر إلي باهتمام زائد، كأنه يحذرني من زلة لسان قد تقطع رزقه الوحيد، لم يقل لي كلمة واحدة، ولم أتكلم بدوري، دلف إلى داخل مكتبه، ينادي محمد سالم من خلال موسيقى الباب القوية، انسل بهدوء و أغلق الباب خلفه بإحكام، حتى لا أسمع ما يدور بينهما من أسرار، يبدو أنه لم يتلق الاتصال الخاص بي المتعلق بهذه الوظيفة، أكاد في مكاني أن أجزم بتفاصيل الحديث الدائر بينهما. بعد دقائق خرج محمد – لقد اعتاد الزوار مناداته بهذا الاسم اختصارا لمحمد سالم- ورمقني بعينيه الصفراوين وقال: لقد أخبرته عنك ولكنه الآن مشغول ببعض الأعمال، ثم أردف متوسلا، أرجو أن تحتفظ بما دار بينا من أسرار عن و أشار بإبهام يده اليسرى إلى قفاه إلى الباب، فهمت القصد وهززت رأسي بالموافقة وهممت بالانصراف، أطل المدير بكرشه المنفوخ الذي يتقدمه ببضع سنتيمترات وأنفه الطويل وكأن الله خلقه بهذا الطول ليجذب القدر الكافي من الأكسجين لهذا الكرش، أشار إلي أنْ تعالْ، أغلقنا الباب خلفنا، مكتب فسيح وفرش ناعم ، أربعة مقاعد جلود من الطراز الرفيع ومكتب إيطالي فخم أمامه منضدة زجاجية عليها عصائر باردة وحلوة المذاق، جهاز كمبيوتر شخصي وآخر خاص بالمكتب، أوراق مبعثرة فوق المكتب، استطعت أن أميز مجلة فرنسية، على غلافها صور بدت خليعة نوعا ما، وقف كمن يريد أخذ شيء ما وأزال المجلة بهدوء تام، وأردف ليشتت انتباهي عن الأمر، تفضل بني كلي آذان صاغية، هل أعرفك؟ صدمت قليلا، فالاتصال الذي انتظرت لم يحدث، قلت بعد أن لملمت شتات أفكاري، وبتأن مبالغ فيه حتي لا يظهر ضعفي أمامه، شكرا لكم سيادة المدير على الإستقبال -  ابتسم بامتنان لتسفر ابتسامته عن أسنان متراصة ونظيفة جدا- ، أنا متخرج من سوريا في إدارة الأعمال، كنت قد ذهبت هناك بمنحة من الدولة، وللأسف لم أحصل على عمل منذ عدت قبل سبعة أشهر إلا أسبوع تحديدا، فعلت وجهه ابتسامة خفيفة، ربما إعجابا بدقتي في تحديد التاريخ، لقد دلني عليكم زميل لي، قال إنكم تهتمون بالشباب خاصة، ثم سكتتُّ.
تحرك قليلا في مقعده وبدا مزهوا بهذه الشهادة المجانية، الكاذبة، كما علمت بعد ذلك من خلال عملي، كان يعرف أنه لا يقدم خدمة إلا للنساء الجميلات، لقد لمح لي البواب عن ذلك ولكنه كان كل مرة يشر فيها للأمر يعود لتسبيحه وتحميده كمن يكفر عن أمر ما، قال لي محمد سالم باستغراب سيادة المدير لا يحب إلا العطور النسائية الفاخرة، سمعته أكثر من مرة يتصل ويقول لإحداهن هل اشتريت الملحفة الفلانية إنها جميلة عليك ، أريد أن أراك وقد ارتديتها، وحبذا لو زرتني في المكتب. كان ذلك أول قدوم لسيدة إلى هذا المكان، كانت جميلة جدا، استغفر الله، ملحفتها كذلك من نوع غالي، استغفر الله، عطرها بقي في المكتب حتى المساء، استغفر الله، ثم أردف باهتمام كبير وتعجب! إنهن بنات الليل والعياذ بالله، اللهم لا تأخذني بذنب غيري يا أرحم الراحمين!، قال لي بعد أنْ اطمأن إلي، مدير حقير يستغل منصبه لجلب النساء والعبث معهن، أقسم أني سمعت في بعض الأحيان أصوات غريبة تنبعث من هذا خلف هذا الباب، ثم ينظر إلى السماء كمن يعتذر من الله ، رافعا يديه، اللهم إني ليس لي من باب رزق إلا هذا فلا تعذبني بجرم غيري، ويضيف ، ثم تخرج إحداهن راضية بما غنمت من فحل رجال يترك زوجته في البيت معتقدة بعفة زوجها الذي لا تذكر أبدا أن سبحته الطويلة فارقت يده ولو لمرة واحدة، كما لا يمكن نسيان سجادته التي يضعها بجانبه دائما، ليصلي عليها صلاة العصر في مكتبه الفخم.
قلت أريد منكم سيادة المدير توفير وظيفة ما ،تتماشى مع تخصصي، فأنا الأكبر من بين أسرة منهكة تتألف من أربع بنات وثلاث إخوة مات عنهم أبوهم وتركهم في عهدتي، فكر طويلا، ثم كمن تذكر شيئا وقال: ما رأيك بإدارة بعض أملاكي، فعمل الإدارة يشغلني عنها والناس غير مأمونة الجانب، هي كلها ثلاث عمارات من أربع طوابق في تفرغ زينة، وعشرة حوانيت قرب سوق العاصمة، وخمسة شاحنات نقل كبيرة، وعشرة سيارات أجرة وأشياء أخرى متفرقة ليست ذات أهمية أطلعك عليها في حينها، جحظت عيناي و فغرت فمي مأخوذا ووجدتني في عالم غير محسوس، أنا الفقير المعدم أصبح بين عشية وضحاها مديرا لكل هذه الممتلكات، لكزني بلطف قائلا ما لك شردت هكذا؟ أسمعت ما قلت لك؟، أفقت من الحلم الحقيقي وقلت نعم سمعته كله، أرجو من الله نجاحي في هذه المهمة وأن أكون عند حسن ظنك، قال، انتظر، ما عليك فعله فقط هو تقديم الحسابات مع نهاية كل شهر وأنا أنقدك مرتبك اتفقنا ، أجبت بالموافقة رغم أننا لم نتفق بعد على المرتب، قال كالمستدرك، مرتبك سيكون- ثم سكت كمن يريد استفزازي- سيكون ثلاث مائة ألف أوقية،عقدت المفاجئة لساني ، مبلغ كبير كهذا يكون راتبي أنا الذي لم أتقاضى فلسا يوما ما كمرتب!؟ ، انفتحت أساريري وغبت مرة أخرى في أحلام أخذتني بعيدا جدا، إلى أشياء لم أكن أفكر فيها ، زوجة وأولاد ومنزل جميل فاخر، سيارة حديثة والكثير من الأموال، شكرته كثيرا فابتسم كالمنتصر لتفرج عن أسنان جميلة متراصة  ونظيفة كأنها مصنوعة بإتقان. قال مودعا نتقابل بعد نهاية الدوام لتوقيع العقد وهذه خمسة آلاف أوقية مساعدة مني لمن أصبح مدير أعمالي لكي تعلم أنني لست بخيلا مع الرجال، فقلت في سري ومع النساء كذلك. كانت لدي في جيبي الخلفي خمس مائة أوقية، أخرجتها عند باب المكتب وسلمتها للبواب محمد سالم الذي ما زال يكرر كلماته السرمدية ،سبحان الله ،سبحان الله.... أومأ برأسه شاكرا، لم يستفسر مني عن الأمر، هو صديق المدير الحميم وكاتم سره سيخبره بالتفاصيل، نظرت في ساعة معصمي التي تشير إلى العشرة إلا ربعا، ثم أخرجت هاتفي لأتصل على أمي وكذلك على هدي المنهكة من الانتظار. في نفس اللحظة مرت بي سيدة أنيقة جدا عطرها من النوع الغالي الثمن ، عطر النجمات السوريات الفاتنات اللائي حضرت حفلاتهن الماجنة الصاخبة لما كنت في الجامعة، لقد استهوتني أنا نفسي، ولم لا؟، لقد أصبحتْ لدي وظيفة وأستطيع الطمع في من أريد، تركت ذلك الخاطر يمر دون تركيز ، هدى تنتظرني بفارغ الصبر، لقد وعدتها بالزواج في أول فرصة عمل أحصل عليها هي التي طالما انتظرتني وصبرت علي في أيام الشدة، وحان الوقت لأمتعها وأحسن إليها كما أحسنت إلي. عدت في مساء نفس اليوم لتوقيع العقد، وتم كل شيء بسرعة وبنجاح مبهر ومحير، استلمت عملي في غضون أسبوع وبدأت تطبيق دروسي النظرية في إدارة الأعمال وكان كل شيء جميل وناجح. ذات يوم سألني المدير سؤالا غريبا، ومفاجئا، قال دون مقدمات: هل تزوجت، أطرقت دون جواب، إنه في عمر والدي ، عليَّ احترامه، عاداتي لا تسمح بقول هذا الشيء في حضرة من يكبرني، استمريت مطرقا دون جواب، ألح علي بالسؤال، فأومأت برأسي أن نعم، وعيني شاخصتين إلى الأرض كمن يفحص شيئا ما بعناية، لم يتركني في حالي فهو مجنون بكل ما له علاقة بالنساء، أقسم علي أن نزوره في المكتب أنا وزوجتي هدى، لم أفهم سبب الدعوة إلا أنني رضخت في النهاية فهو مصدر دخلي الوحيد، وأدركت حينها سبب بقاء محمد سالم إلى هذا الوقت في عمله، اصطحبت معي هدي يوم الأربعاء صباحا في طريقي لعملي في وسط العاصمة ، كنت قد اتصلت عليه هاتفيا لأخبره عن قدومي، تفاجأت بالمكتب في غاية النظافة ورائحة عطر نسائي تفوح منه، دلفنا فالتفتت إلي هدى كالمستفسرة عن سبب هذا العطر، لم أتجاوب مع نظراتها المستفسرة، سلم علينا بعناية فائقة خاصة هدي التي خصها بسلام حار وعميق فهي زوجة مدير أعماله . لم أعتقد لحظة أنه سيفكر بانحراف، طردت تلك الأفكار من رأسي في الحال، بعد حوالي عشرين دقيقة غادرنا المكتب، أثناء لقائنا سلم هدى بطاقته الشخصية معربا عن استعداده للمساعدة في أي وقت، كان لقاءً وديا وطبيعيا، تميز بالأريحية و المجاملة. بعد فترة من ذلك اللقاء طلبني في مكتبه لأمر هام، قال بكل وضوح وهو واقف أمامي مباشرة وبنبرة جدية ملحوظة، أحمد أريدك أن تطلق هدى، سألته باستغراب كأنني لم أسمع ما قال، ماذا تقول؟، كرر العبارة بهدوء تام قاتل، أريدك أن تطلق هدى، كان في هذا الوقت يمط شفتيه كالمتأهب لهجوم ما، قلت: لكن لماذا؟ أنت تعرف أنني أحبها ! قال: أريد أن أتزوجها.                              

الخميس، 2 مايو، 2013

العمال الموريتانيون ظلم أرباب العمل وإهمال الدولة (الجزء الثاني)



حملة تدوينية ينظمها المدونون تضامنا مع العمال الموريتانيين في عيدهم الذي يصادف 1 مايو:


شعار الحملة التدوينية
 ....... نوع آخر أكثر فتكا وأشد تنكيلا بالعمال يحدث في شركة (أم سي أم ) العاملة مدينة اكجوجت لاستخراج النحاس، حيث سقط ضحايا بسبب موادها السامة وقد ذكرت بعض المصادر أن من بين ضحاياها كل من محمد فال ولد سيدي محمد العامل في فريق استخراج المعادن قد فارق الحياة متأثرا بمرض غامض لم تستغرق إصابته به أكثر من 28 ساعة ، و كان داوود ولد سالم قد فارق الحياة في يناير الماضي متأثرا بنفس الأعراض التي ظهرت على ولد سيدي محمد، بالإضافة لعامل آخر يدعى سامية كان قد نقل  لمستشفى نواكشوط ليتلقى العلاج من إصابته بذات الأعراض التي بدت على سابقيه، هذه الأمثلة الحية تعطي بجلاء الصورة المأساوية التي يعيشها معظم العمال في قطاع الأعمال اليدوية ، يذكر أ، عمال هذه الشركة بالذات قد دخلوا في العديد من الإضرابات من أجل نيل حقوقهم في ظل تجاهل الدولة لمطالبهم، وقد راح ضحية هذه الإضرابات العامل محمد ولد المشظوفي الذي كان رفقة مجموعة من رفاقه في اعتصام سلمي خارج مبنى الشركة قبل أن تباغتهم قوات من الحرس وأبرحوهم ضربا خاصة هو ، ليفارق الحياة على إثر إصابات قوية أصابته.
للأسف الشديد، العمال يجهلون الكثير من الحقوق التي يكفلها لهم القانون الموريتاني، متمثلة في "مدونة الشغل" و"الاتفاقية الجماعية للشغل" اللتان توضحان كل الحقوق الواجبة لهم، ويغيب هنا دور النقابات التي يفترض أنْ تنظم دورات تكوينية لتوضيح النقاط الأساسية في مدونة الشغل والاتفاقية الجماعية .
ومن الحقوق الخاصة بالعمال التي نصت عليها الاتفاقية الجماعية :
المادة 7: حيث أشارت إلى حرية العمال في التجمع و العمل بحرية للدفاع الجماعي عن مصالحهم المهنية.
وتنص المادة 32 من نفس الاتفاقية على أنه في حال وفات العامل فإن أجور الحضور والعطل وكذا كل التعويضات من كل نوع المكتسبة إلى تاريخ الوفاة تؤول بحكم القانون  إلى ورثته.
أما بخصوص مدونة الشغل  فإنها تنص في المادة 118 من الباب الثاني، الفصل الأول ، القسم الأول، على أن كل مؤسسة تضم أكثر من عشرة عمال، لهم الحق في تعيين مندوبون عنهم ، وتبين المادة الموالية (119) عدد المندوبين حسب عدد عمال الشركة.
وتنص المادة 140 من الباب الثالث المتعلق ب المقاولة من الباطن ، على أن من واجب المقاول الفرد أو الشركة توفر الشروط التالية :مقيدا في السجل التجاري أو سجل الحرف،ومالكا لمحل تجاري،مقيدا في سجل الضرائب تحت رقم مكلف،  ومسجلا في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، هذه النقطة بالذات حدثني عنها أحد العمال حيث قال إن المقاولين المسئولين عن اكتتابهم عبارة عن مجرد رعاة بقر في البادية يستجلبهم أقاربهم أصحاب المؤسسات "للإستفادة" من ما يقتطعونه من العمال بدواعي واهية.
ومن الأضرار التي تلحق بالعامل المكتتب عبر المقاولة من الباطن أنهم لا يملكون الحق في مقاضاة المؤسسة الرئيسية لأن لا رابطة قانونية بين الإثنين ما عدى الدعوة المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود في مجال عقد المقاولة حسب نص المادة 142.

في نهاية الجزء الثاني والأخير نخلص إلى أنه على العمال أن يدركوا أن الحقوق لا تنال بالخنوع والسكوت بل بالمظاهرات المشروعة والإضرابات والوقفات التي تتماشي مع ما ينص عليه القانون ، فالدستور الموريتاني يكفل لكل فرد حقه ولكن ليس ذلك الفرد الذي يرضى بالظلم والمهانة هو من سيحصل على تلك الحقوق و آخر مثال على ذلك هو "حمالي" الميناء الذين انتفضوا رفضا للظلم والتهميش فكان أن اتق على تحقيق مطالبهم ولهم أن يفخروا بذلك لأنها ليست منة ولا عطاء من أحد. من جانب آخر على أرباب العمل أن يدركوا هم أيضا أن أعمالهم متوقفة على الجهد المبذول من قبل العمال اليدويين وأن الظلم لا يمكن أن يدوم مهما تم تأجيله بإسكات البعض بالعطايا ورشوة البعض الآخر بالمناصب والهدايا .

رأيكم يهمني

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

blogtopsites'