الجمعة، 18 مايو، 2012

الوحدة الوطنية....الواقع والآفاق


يتشكل النسيج الإجتماعي الموريتاني من مجموعات عرقية هي العرب (البيض والسمر) دون الخوض في ماورائيات هذه التسمية علي الرغم من الميل الواضح للفئتين الي التآلف والركون الي السلم، بالإضافة الي الزنوج الذين يتكونون من ثلاث مكونات هم البولار والوولف والسونونكي، وتعتبر المحافظة علي هذا النسيج متماسكا مهمة صعبة هذه الأيام نتيجة الإفرازات الجديدة مع التطور في التقنيات الجديدة وما يعزيه البعض الي نضوج ملاحظ  في المكونات المختلفة.
ومع كل هذه الإرهاصات الجديدة تبدو الحاجة ماسة الي اعادة النظر وتقييم مسار الوحدة الوطنية ومعرفة النواقص التي ظهر علي اثرها  هذا الحراك الجديد.     
فكثيرا ما يتم تناول موضوع الوحدة الوطنية في وقتنا الراهن و كذا في الأيام والأسابيع والأشهر الماضية،
وإذا ما نظرنا مليا فإن السياسيون هم الأكثر طرقا لهذا الباب، فاتحين المجال بذالك أمام تساؤلات مختلفة حول مدي تماسك فئات المجتمع فيما بينها، وإلي أي مستوى يمكن أن يصمد هذا التماسك؟ وهل هو مهدد؟ أم لا، وهل البلد يسير نحو مصير مجهول إذا ما عولج موضوع الوحدة الوطنية بأسرع ما يمكن ؟.
وقد تم وضع عدة اقتراحات حول سبل تدعيم الوحدة الوطنية من مختلف أقطاب الساحة السياسية ، كل يضع حسب تصوره الحلول اللازم تطبيقها للوصول إلي وطن متماسك وصلب في وجه تحديات مرتقبة في المستقبل المنظور ولعل هذا ما كان نصب اعين اللجان التي تشكلت خلال ماعرف بالحوار الوطني الذي جري في الفترة من 17 سبتمبر و 19 أكتوبر والتي جاء فيها (اتفاق الطرفان على أهمية تعزيز وتدعيم الوحدة الوطنية، انطلاقا من قيم تمليها طبيعة التعدد الثقافي لشعبنا والحق في الاختلاف، مما يتطلب، إضافة إلى توطيد اللغة العربية كلغة رسمية للبلاد، تطوير وتنمية لغاتنا الوطنية. فمستقبل دولتنا ونموها المنسجم يرتبطان إلى حد كبير بالوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية. إن إرادة سياسية قوية للقضاء على مخلفات الرق ولتوفير ظروف حياتية كريمة للطبقات الأكثر هشاشة من مجتمعنا، تشكل شرطا لا غنى عنه للمحافظة على وحدة الشعب الموريتاني وتماسكه الاجتماعي).
مفهوم الوحدة الوطنية
تأخذ الوحدة الوطنية عدة مفاهيم حسب الزمان والمكان فلقد عرفها محمد عمارة بأنها التآلف بين أبناء الأمة الواحدة من خلال الروابط القومية علي أساس من حقوق المواطنة التي ترفض التمييز والتفرقة بين أبناء الأمة بسبب المعتقد أواللون.  ويعرفها عبد الرحمن الكواكبي بأنها تجمع الناس علي أساس قومي بغض النظر عن الاختلاف في العقائد والمذاهب والألوان.
ويمكن أن يعتبر المفهوم المعتمد للوحدة الوطنية........هو :تحقيق التفاعل والتلاحم بين جميع أفراد الشعب بغض النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية أو الثقافية أو الدينية أو الإثنية أو اللغوية أو الطبقية أو القبلية بما يساهم في تحقيق الأهداف التالية :
1- احترام وحدة البلاد ولغتها الرسمية ( لغة الأغلبية ، وثقافتها الوطنية )  مع إعطاء العناية اللائقة للغات الوطنية الولفية والبولارية والسونونكية.
2- تحقيق الحرية والعدالة والمساواة لجميع فئات الشعب أمام القانون.
3- تحقيق التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين الشعب والنظام السياسي بما يحقق الرفاهية الاقتصادية للفرد والمجتمع
●- دور التعليم والثقافة والتربية في ترسيخ الوحدة الوطنية
للتعليم والتربية دور في تحقيق الوحدة الوطنية من خلال التعريف بتاريخ البلاد، ، وتعريف الأفراد بحقوق وطنهم وحقوقهم ، وهو ما يمكن أن يحدث نوع من الوعي لدي أفراد الشعب ، بأنهم ينتمون لدولة واحدة ، تتخطي الجماعات الصغيرة ، كالعائلة أو القبيلة أو القرية ، ووسيلة ذالك هي المدرسة التي تساعد علي إحساس مشترك بالوحدة الوطنية  وأن يحل الولاء للدولة محل الولاء للقبيلة ، فالمدرسة تغرس في نفوس طلابها روح الحوار والمناقشة في كل ما يمكن أن يكون عليه خلاف في الرأي ، وهذا سيعودهم علي المناقشة لأمورهم الهامة المتعلقة بمصير الدولة وبوجودها ككيان متحد، وسيطور الإحساس بالتسامح إزاء الآخرين المخالفين لهم ، خاصة إذا عملت المدرسة علي إسقاط كل ما من شأنه أن يزيد الحساسيات بين فئات المجتمع، في مناهجها المدرسية حتى وإن كانت تلك الحساسيات موجودة وحقيقة تاريخية ،لأن القلوب لا تتفق إلا إذا اعتادت الوئام منذ الصغر، إلا أن الطريق الذي يمكن أن يكون أكثر فاعلية في ترسيخ حب الوطن هو تدريس الدستور الوطني في المدارس الابتدائية وضرورة تطبيق مواده خاصة إذا علمنا أن مواده تنص علي تساوي جميع المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز مما يعزز في حال إتباعه الوحدة الوطنية فالبعض يعرف الوحدة الوطنية بأنها الالتفاف حول الدستور والنظام الأساسي الدستوري .
●- العوامل المؤثرة علي الوحدة الوطنية سلبا وإيجابا
ثمة عوامل إيجابية وسلبية تؤثر علي الوحدة الوطنية وهي تنقسم إلي قسمين رئيسيين هما :
أولا:العوامل الايجابية
هنالك عوامل إيجابية عديدة تساهم في تقوية الوحدة الوطنية في الدولة، وتساعد علي تثبيتها، وإن عدم وجود أحد هذه العوامل أو مجموعة منها سيزيد من ضعف الوحدة الوطنية وأهم هذه العوامل هي:
ــ التمازج العنصري بين أفراد الشعب
ويكون ذالك من خلال التزاوج والتداخل بين أفراد الشعب بكل مكوناته المختلفة (حسب رغبة الشخص بطبيعة الحال )، ورغم أن هذه العملية قد تطول لتؤتي المرجو منها إلا أنها يجب أن تتم من خلال التوافق والتراضي ، وأن يسبقها عملية استيعاب لهذه الفئات بهدف الوصول تدريجيا إلي امتصاص هذه العناصر في بوتقة واحدة بشرط ألا تكون هذه العملية مثار سخط من بعض فئات المجتمع .
ـــ دور اللغة والأعراف والعادات والتقاليدٍ
للغة دور مهم في تحقيق الوحدة الوطنية بين أفراد الشعب لأنها تقاربهم في الفكر وتجعلهم يتماثلون ويتعاطفون أكثر من سواهم ممن يتكلم لغات أخري وتصبح هذه اللغة سمة مميزة لهم من خلال جعلهم متماثلي التفكير والشعور بالانتماء داخل الوطن الواحد.
 ثانيا:العوامل السلبية
ــــ عدم التوافق الطائفي والقبلي بين أفراد الشعب :
إن استغلال السلطة السياسية للدين بغرض اللعب به كأداة في يدها سيؤدي بها إلي تفسيره حسب ما يتواءم مع ما تعتقد أنه هو المصلحة العلي للبلد وهذا ما قد يعتبره البعض الآخر غير مبرر خصوصا إذا كانت هناك عدة تفاسير للموضوع المعني وهذا ما يهدد بدوره بتصادم بين أتباع الجانبين ، وينفي وجود رأي عام موحد تجاه المشاكل العامة ، كما أن ذالك يؤدي إلي ابتعاد أبناء الوطن عن التعاضد والتآخي وهذا يؤدي بدوره إلي إعاقة التجانس والانصهار بين أبناء الشعب الواحد.
ــــ افتقار النظام السياسي إلي الشرعية:
وذالك إذا فقد النظام أحد عناصر الشخصية التي حددها كارل دويتش بما يلي :
 اعتراف الأحزاب والجماعات السياسية كلها بالقوانين
تكون القوانين واضحة ليس بها غموض ومتناسقة ليس بها تناقض
يدرك الجميع أن القوانين ليس بها تمييز لفئة ما
تتوفر الثقة لدي كل فرد بأن الجميع سوف يخضعون ويتمسكون بالقوانين
 تعترف القيادة السياسية بنيتها تطبيق القوانين
وعدم تحقق هذه العناصر سينقص من شرعية النظام السياسي، وسيضعف الوحدة الوطنية في المجتمع ،  ويتيح المجال أمام القلاقل الاجتماعية التي تؤدي إلي تصدع المجتمع.
ومن السمات التي تظهر عدم وجود وحدة وطنية بسبب النظام السياسي ما يلي:
ــ الإضرابات العامة التي تقوم بها مختلف القطاعات
ــ وجود أزمة حكومية داخل البناء السياسي
ــ  وجود أعمال شغب داخل الدولة
ــ وجود مظاهرات معادية للحكومة
المجال الثقافي
كل مجتمع يتكون من مجموعة أو مجموعتين عرقيتين فأكثر لا محالة سيكون زاخرا بالتنوع الثقافي الخاص بكل مجموعة عرقية ومنه يجب الاعتناء بكل موروث ثقافي خاص بمجموعة معينة حتى تشعر بمدي الاهتمام المعطي لها فالثقافة هي الضامن شبه  الوحيد لاستمرارية المجتمعات البشرية في الوجود، وبديهي أن أي مجموعة تشعر بالزوال ستبذل أقصي جهدها للبقاء حتى ولو كان علي حساب الوطن ومن هنا تبرز أهمية الاهتمام بالمجال الثقافي.
المجال السياسي
 وذالك بخلق قنوات الاتصال الحكومية والسياسية الفعالة القادرة علي إقامة الصلة بين المواطنين والدولة، وضمان تمثيل جميع فئات المجتمع في الحياة السياسية حسب الوزن الشعبي الذي تمثله كل طائفة من طوائف المجتمع المختلفة وذالك عن طريق الحوار الجاد وليس الحوار من أجل الحوار.                   
المجال الاقتصادي والإداري
إن تعدد الفئات داخل أي مجتمع سيوجد نوعا من عدم الرضي لدي بعضها حيال الطريقة الممكن أن تحصل بها علي ما تري أنه حقها المشروع من مناصب إدارية وغيرها، ولتفادي هذا النوع من التذمر أشار البعض بضرورة التقسيم العادل للدخول وسلامة التعامل مع المتقدمين لشغل المناصب الحكومية في الدولة.
دور الإعلام في تجسيد الوحدة الوطنية
يمكن للإعلام أن يلعب دورا محوريا في تجسيد الوحدة الوطنية وذلك انطلاقا من دوره كوسيلة للتوعية والتثقيف والتوجيه ،بنفس القدر الذي يمكنه أن يلعب دورا سلبيا في التفرقة والتحريض،وخاصة في عصرنا الحاضر الذي انتقل فيه الإعلام من ترتيبه التقليدي كسلطة رابعة  إلى سلطة أولى في العديد من البلدان الديمقراطية، حيث يسود مناخ حرية التعبير والنشر،وهي البيئة الملائمة التي تمكن الصحافة من التأثير بشكل مباشر في اتخاذ القرار بالاعتماد على وسائلها المشروعة،شريطة أن تكون هذه الأخيرة محكومة بضوابط المسؤولية واحترام نصوص القوانين والدستور والمقدسات الوطنية .
ولذا نلاحظ أن قدرة الصحافة على التأثير تختلف من بيئة إلى أخرى تبعا للانفتاح الديمقراطي ، فإذا كانت الصحافة مثلا قد وصلت إلى درجة كبيرة من الاحترام والقدرة على التأثير في الغرب وبعض الدول النامية، فإنها لازالت تعاني من الكثير من القمع وتضييق الخناق في البلدان التي تتحكم فيها أنظمة قمعية ورجعية وهو ما يحولها  إلى أداة في يد تلك السلطات تمرر من خلالها خطاباتها الفارغة وتستخدمها لأغراضها الخاصة.الأمر الذي يفرغ الرسالة الإعلامية من محتواها ويجعلها عاجزة عن لعب أي دور ايجابي،وبالتالي تصبح أداة هدم بدل البناء.
فالإعلام مثلا يمكن أن يلعب دورا رئيسيا في تجسيد الوحدة الوطنية بتقريبه لوجهات النظر بين مختلف شرائح المجتمع وقومياته وذلك بالانفتاح على الجميع ومنح المواطنين  الفرصة لإبداء آرائهم  بكل حرية عبر المنابر الأساسية كالتلفزيون والإذاعة ووسائل النشر الأخرى ومن ثم إثارة القضايا الخلافية الجوهرية والبحث لها عن حلول مناسبة بدل التعتيم عليها.
كما ينبغي للإعلام أن يسلط الضوء على القضايا التي تجمع بين مختلف مكونات المجتمع، باعتبارها مسائل تقرب وتوحد، كالمصير المشترك والدين والوطنية، فالاختلاف والتنوع يعتبر مصدر قوة للشعوب، لأنها ظاهرة صحية يمكن أن تستغلها الشعوب لبناء نهضتها والأمثلة على ذلك كثيرة.

رأيكم يهمني

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

blogtopsites'