‏إظهار الرسائل ذات التسميات #موريتانيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات #موريتانيا. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 16 ديسمبر 2020

تحديات الاغلاق في ظل 56.6% من القوة العاملة في وضع مؤقت

 


تحديات كثيرة وجدت الدول النامية نفسها في مواجهتها بفعل الأزمة الصحية العالمية (كوفيد 19)، هذه التحديات تجلت في كون الأزمة لم يبق تأثيرها على المستوى الصحي فحسب، بل تطور إلى مستويات مختلفة، ولعل أهمها، المستوى الإقتصادي، حيث يتجلى الأثر الأكبر، فالدول النامية في أغلبها تعتمد في تنفيذ برامجها التنموية على تصدير المواد الأولية، وأبرز مثال على ذلك موريتانيا، فهي شبه معتمدة على الصادرات من الحديد والنحاس والذهب والسمك ...إلخ، وبما أن الدورة الاقتصادية العالمية عرفت تباطؤا شديدا، انعكس على الدول المصدرة بشكل مباشر، فنجد أن أغلبها طالبت منذ البداية، بتأجيل أقساط الدين المستحقة الدفع، وهو ما استجاب له الدائنون بمختلف مستوياتهم، حيث تم التأجيل أكثر من مرة، ولا يزال رؤساء بعض الدول الأفريقية يطالبون بالتأجيل أو الإلغاء لهذه الديون. و أوضح مثال على ذلك ما صرح به  الرئيس الموريتاني، الذي طالب في خطاب ألقاه الاثنين 30 نوفمبر 2020 في قمة مشتركة بين دول الساحل الخمس والاتحاد الأوروبي معتبر أن هذه الدول تواجه صعوبات كثيرة حتى قبل الجائحة.

موريتانيا تعتبر من الدول التي تعاني بشدة، فهي من بين الدول ذات المستوى الصحي المتدني وتحتاج للمساعدات بشدة للتغلب على الوباء، وعلى المستوى المحلي قامت الحكومة بمجموعة من الإجراءت القاسية لضبط الوضعية الوبائية في الموجة الأولى، حيث أغلقت بين الولايات مع بعضها البعض وعزل نواكشوط باعتباره بؤرة للوباء، لكن هذه الإجراءات كانت أشد وقعا على العمالة غير الدائمة وأصحاب الدخل اليومي غير المنتظم، وبالنظر إلى أن اقتصاد موريتانيا ضعيف نسبيا حسب صندوق النقد الدولي، إذ تحل موريتانيا في الترتيب 147 من أصل 186 دولة حسب الناتج المحلي الإجمالي، ويعاني من بطالة تقدر ب 13.3% في النساء و 10.9% في الرجال وعمالة غير دائما تمثل 56.6% من القوة العاملة، فإن ذلك يحيل إلى وضعية غاية في القتامة.

وفي نفس الإطار يشير تقرير البنك الدولي الصادر في مايو 2019 بعنوان  " تقرير حول الوضعية الاقتصادية لموريتانيا ، تحسين مناخ الأعمال لتعزيز تنمية القطاع الخاص[1]" إلى وضعية عمالة صعبة على المستوى الوطني في 2017 إذ أنه من بين كل خمسة أشحاص تقل أعمارهم عن 25 سنه، أكثرمن اثنين منهم لا يتوفرون على فرصة عمل، وفي نفس الوقت فإن نسبة 44.2% من الفئة العمرية بين 14 و35 سنة لا يتوفرون على نشاطات مهنية كما ليسوا متعلمين وليست لديهم أي مهن محددة، وهو ما يعني درجة مرتفعة من الهشاشة على المستوى الاجتماعي. بالاضافة إلى ذلك تسجل فوارق كبيرة على مستوى سوق العمل بين الرجال والنساء، حيث تمثل النساء تقريبا نصف القوى العاملة الموريتانية في عمر التوظيف، إذ تصل 57.5% في حين  28.2% فقط منهن ينشطن في سوق العمل، مقابل 59.6% بالنسبة للرجال.

من ناحية أخرى يشير التقرير إلى أن سوق العمل الموريتاني شبه معوق بسبب انتشار العمالة غير الرسمية، ففي 2017 مثلت الوظائف غير الرسمية أكثر من 56% من إجمالي القوى العاملة، وباستثناء المجال الزراعي، فالوظائف غير الرسمية ترتفع في المجال التجاري حيث تصل 44% وفي مجال الخدمات 21% وفي قطاع التصنيع 26%، وبشكل عام انتشار العمالة غير الرسمية مرتفع بين الشباب في نواكشوط حيث تتركز قرابة 38% من اليد العاملة غير الرسمية. وترتفع العمالة المؤقتة أساسا في القوى العاملة من الذكورالأميون حيث تصل 63%  وفي القوى العاملة بين النساء الأميات في الفئة العمرية بين 14 و 29 سنة إلى 56%.

و إجمالا فإن العمل المؤقت أو غير الرسمي، ويعرف أحيانا بغير الدائم، لا يتيح للعامل الحصول على مرتب كافي، يسمح له بتغطية حاجاته بالشكل المطلوب، إذ أن الاقتصاد غير الرسمي يوظف غالبا العمال الأقل تكوينا وتأهيلا والأقل إنتاجية وهو عكس ما يحدث على مستوى العالم.

 مع أزمة كوفيد 19 بات العالم يعرف ظروفا وأحوالا اقتصادية تختلف في كثير من جوانبها عن طبيعة ما قبلها  فلم تعد  ظروف العمل كما كانت، إذ أصبح الكثير من العمال يقومون بوظائفهم من المنازل، حفاظا علي صحتهم، وفي ظل عمل حكومة أبعد ما يكون عن الاعتماد على الانترنت فإنه يمكن تصور الصعوبات والبيروقراطية التي ستأثر على الأداء اليومي، ناهيك عما هو موجود من قبل، كما أنه في ظل إهدار كبير للوقت في الإدارات العمومية فإنه تمت التوصية بتقليل عدد الموظفين في كل إدارة وهو ما يشيرإلى تباطئ شديد في مستوى الدورة الاقتصادية التي تعاني أصلا من البيروقراطية والفساد، وفي نفس الإطار يقول تقرير للبنك الدولي بعنوان " تحويل التحديات إلى فرص من أجل القضاء على الفقر وتعزيز الرفاه المشترك/ دراسة تشخيصية منهجية عن موريتانيا " أنه  ( مازالت نظم المحسوبية في الإدارة العامة تشوه الهياكل التحفيزية وتؤثر على قدرات توزيع الموارد العامة وتقديم الخدمات، ولا تزال الادارة العامة أكبررب عمل نظامي ...... ومع ذلك لا تزال الوظائف العامة تتأثر بشكل كبير ومباشر بالمصالح الخاصة، ولم يتم إضفاء الطابع المؤسسي على عملية تعيين كبار المسؤولين الإداريين على أساس الجدارة والإدارة القائمة على الأداء، ولا يزال منطق السعي للحصول على الريوع (جمع ريع) سائدا عبر طبقات الإدارة، مما يتسبب بالاخلال بالسياسات العامة والحد من المساءلة عن تقديم الخدمات[2])

إذا، في ظل الموجة الثانية من الوباء تكون المعادلة صعبة للغاية، فمن جهة الأوضاع الاقتصادية الصعبة لمجتمع جل عمالته غير منتظمة وتعتمد الكثير من أسره على معيلة، ذات نشاط اقتصادي ضعيف، ومن جهة ثانية ضرورة اتخاذ إجراءات قاسية للحفاظ على الصحة العامة.

في الاغلاق الماضي تم توزيع مبالغ مالية نقدية على 200 ألف أسرة في 8119 قرية ومدينة، بمعدل  22500 أوقية قديمة للأسرة الواحدة بالاضافة لاجراءات أخرى متمثلة في دفع تكاليف فاتورة الكهرباء من طرف الدولة الموريتانية، وهو الأجراء الذي أثار الكثير من اللغط بعد ذلك، إذ تعتقد الأسر التي استفادت من هذه المساعدة أن الشركة ضاعفت تكلفة الفاتورة بعد انتهاء فترة الاعفاء تلك، واتباع نفس الاجراء الآن سيكون مكلف اقتصاديا ، علما أن الكثير من الاقتصاديين يعتبرون ضخ السيولة النقدية في السوق قد يساهم في زيادة التضخم ، خاصة على مستوى المواد الغذائية الأساسية على الرغم من أنها طريقة تتبع أحيانا.

عموما وعلى الرغم من أن تحمل الحكومة لهذه التكاليف خفف نوعا ما، ودون الخوض في الشكاوي من أن المواطن تحمل تكلفة الاعفاء بعد ذلك، إلا أنه يبقى دون المستوى، كذلك فإن توزيع المبالغ في ظل الاغلاق لم يكن كافيا، فكم تساوي 22500 أوقية قديمة من تكاليف معيشة لأسرة صغيرة؟ دون الحديث عن أسر أكبر، علما أن المتضرر وهي الأسر الفقيرة غالبا ما تكون بأعداد كبيرة، وأخذا في الحسبان إحصائية البنك الدولي التي تقول أن 56.6% من القوى العاملة الموريتانية في وظائف مؤقتة أو غير رسمية سيكون النظام أمام وضعية معقدة للغاية ما لم يجد جديد يجعل وقت الإغلاق قصير جدا.



[1] La Banque Mondiale ; Rapport sur la situation économique en Mauritanie; améliorer le climat des affaires pour favoriser le développement du secteur privé - Mai 2019 

[2]  - وثيقة للبنك الدولي، تحويل التحديات إلى فرص من أجل القضاء على الفقر وتعزيز الرفاه المشترك/ دراسة تشخيصية منهجية عن موريتانيا، مايو 2017 (تقرير رقم  MR-116630).

الاثنين، 7 ديسمبر 2020

ُ لنعمل لنتعلم بلغتنا الرسمية ( حملة فيسبوكية)

 

يتكون المجتمع الموريتاني من ناطقين باللغات التالية ( العربية والبولارية والسوننكية والولفية) وينص الدستور الموريتاني في المادة السادسة منه على الآتي: ( اللغات الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية. اللغة الرسمية هي العربية).

مرَّ تاريخ التعليم في موريتانيا بتقلبات معروفة لدى الجميع و لدى المهتمين بشكل خاص، لقد تم تكرار ذكرها مرات عديدة ونوقشت بما فيه الكفاية، ولست في وارد ذلك الآن، إلا أن ما نعانيه اليوم من تردي في خدمة التعليم ناتج لتلك التقلبات غير المدروسة في السياسات التعليمية. لا أقدم هنا وصفة بيداغوجية تربوية لإصلاح التعليم بقدر ما أحاول التركيز على واقع أعيشه كالكثيرمن أبناء الوطن الذين اكتووا بواقع بائس جعلهم يطرحون التساؤلات التالية:

- هل اللغة العربية هي فعلا اللغة الرسمية للدولة؟

- لم يتم اقصاؤنا من المسابقات الوطنية، بسبب عدم معرفة لغة أجنبية غير اللغة الرسمية للبلد؟

- لم تتعامل المؤسسات الخدمية يوميا مع المواطنين بلغة لا يفهمونها، وحتى إن فهموها، فلم، وهي ليست لغتهم الأم.

- لم يقف الكثير منا سدا وحائلا في وجه كل ناطق بالعربية ؟

- لم نتهم كمطالبين باعتماد اللغة التي نص عليها الدستور الموريتاني، بمحاولة إقصاء موريتانيين آخرين مثلنا؟

 

أولا، تنقسم الآراء الناقدة للمطالبين باعتماد اللغة العربية لغة رسمية للتعامل اليومي إلى قسمين، قسم يرى أن اللغة العربية لا تصلح لغة للعلم وتتصف بالعجز و الجمود.

ثانيا ، قسم آخر يرى أن استخدام اللغة العربية سيقصي المكونات الموريتانية الأخرى، التي ليست اللغة العربية لغتها الأولى.

 

أما بالنسبة للرأي الأول، فأقول؛ إذا كانت اللغة العربية ليست لغة علم، عكس اللغة الفرنسية، فلم تقدمت دول لا تعتمدها ولا تعتمد الفرنسية ولا الانجليزية، روسيا والصين و اليابان وكوريا الجنوبية وإيران وإسبانيا وغيرها كثير، دول تعتمد على لغتها الوطنية في تدريس مختلف العلوم.

 

 تعمدت عدم ذكر أي دولة عربية رغم وجود المثال، لكن أليست هذه دول وتدرس بلغتها الوطنية؟ ما المشكلة إذا؟! إذا كان المشكل في نظركم يعود إلى تخلف الدول العربية فتلك قصة أخرى، لكنهم لن يتطوروا بتخليهم عن لغة يعيشها أبناءهم يوميا وينطقونها بسلاسة وستكون دون شك أسهل على التعلم بها من غيرها، عكس لغة ليست موجودة في المحيط العائلي، ولا حتى المحيط الإجتماعي يتحدثها، ومعروف أن إتقان اللغة يتطلب معايشتها يوميا، دون أن أنسى الأسر الميسورة التي تبعث أبناءها إلى السنغال والمغرب لدراسة سنة لغة ليتمكنوا من ولوج السوق، سوق العمل، إذا ما مصير أبناء شعب يعيش الفقر بنسب مرتفعها في الغالب الأعم وبالكاد يستطيع إرسال أبناءه إلى المدارس أصلا، وإن فعل فقد لا يتمكن من اقتناء المستلزمات التعليمية، ناهيك عن تأجير مدرس خصوصي لتعليم لغة أخرى.

 

 أما بالنسبة للرأي الثاني المتبني لفكرة الإقصاء، فإذا كان الأمر كذلك، ألى يعتبر ما يحدث الآن إقصاء هو الآخر لآخرين لا يعرفون الفرنسية، موريتانيون لا يحصلون على العمل بحجة أنهم لا يعرفون لغة ليست لغتهم إطلاقا، أين الإقصاء ولم تتحدثون عنه إن كان الدستور نفسه يقول بأنها اللغة الرسمية كما أشرت آنفا، أليس هذا تناقضا صارخا وتجاوزا للدستور، أم أنكم جبلتم على تجاووزه و أصبح بالنسبة لكم لا شيء يذكر، كما تعود رؤساؤكم، ثم إنه إذا كانت المطالبة باعتماد لغة منصوص عليها كلغة للدولة، تعتبر إقصاءا، فليكن إذا. وما عليكم إذا إلا المطالبة بتغيير الدستور وتغيير اللغة فيه تبعا لذلك، أم أنها المصالح والاستلاب ؟!

أريد أن أشير هنا إلى أن الموضوع بالنسبة لي ليس قومية عربية ولا تعتريه أي صلة بالايديلوجيا البتة، فآخر ما أفكر فيه أمور كهذه، فأنا لا تجذبني ولا أطيق القوميين كايديلوجيا، بل إنها مجرد مطالبة بإنصاف جزء من مجتمع يقع عليه التجهيل والاقصاء بحجج واهية، وكل ذلك خوفا من أن يقول آخرون أنه تم إقصاءهم.

 

تعمدت هنا الانطلاق من النتائج الحاصلة من بطالة مرتفعة وفشل للتعليم باد للعيان، فهي مربط الفرس وحجر الرحى كما يقال، وباعتبارذلك أيضا خير دليل على الفشل الذي نتقلب فيه اليوم والناتج عما سمي ب " إصلاح التعليم " فالتركيز إذا لن يكون على تلك السياسات التعليمية بل على الواقع التعليمي اليوم ومحاولة إصلاحه ، الإصلاح الذي يعتبر أساسه الوحيد التركيز على لغة وحيدة مفهومة للجميع، دون إهمال اللغات الأخرى لكن على الأقل لا يحصر التعليم كلها بها وتقييد التلاميذ الذين ليست لهم إمكانية تعلم لغة لا تتوفر لا الشروط الاجتماعية ولا المادية بتعلمها بالشكل الذي يسمح للتلميذ التحصيل بها بامتياز.

 

إن هذه الإزدواجية التي يعتمدها المنهج التعليمي المتبع، هي المشكلة الأكبر التي تواجه التلاميذ في الابتدائية خصوصا، بشهادة المدرسين الذين قالوا ذلك في مؤتمرات وندوات كثيرة، فلا التلاميذ تعلموا الفرنسية بإتقان ولا تعلموا المواد التي تدرس بها، وفي النهاية يتسرب التلميذ نتيجة العقبة الكأداء التي تعترض تعلمه بسلاسة.

كما أنني هنا أود التوضيح أن الموضوع لا يعني مطلقا، تجاهل تعلم اللغة الفرنسية، أبدا، بل من الواجب تعلمها و تعلم الانجليزية وكل اللغات الممكنة، كل ذلك على أن يكون في مرحلة يصبح التلميذ قادرا على مساعدة نفسه وفهم متطلبات تعلم لغة جديدة، لكن لا ينبغي اعتبار عدم معرفتها عائقا أمام مواطن يبحث عن عمل في وطنه بحجة عدم معرفتها، وإلا فما فائدة اعتبار اللغة العربية لغة رسمية للدولة، فلتتم إزالتها ووضع اللغة الفرنسية مكانها، فهي الآن هي لغة الإدارة الموريتانية والسبب في إقصاء الكثير من الشباب من الحصول على عمل في وطن ضائع.

 

إلا أنه رغم ذلك كله، لا يجب إهمال مكونات المجتمع الأخرى التي قد لا تكون درست باللغة العربية، فيجب إشراكها وايجاد حل يتوافق مع الدستور، أو حل ما، توافقي، كأن يتاح العمل الإداري باللغة العربية إلى جانب الفرنسية ويسمح لكل من يريد المخاطبة وإعداد التقارير اليومية أن يقوم بذلك باللغة التي يجيدها ويرى في نفسه القدرة على الابداع بها بشكل أكبر.

 

ليس غائبا عنا جميعا أن الدولة تعيش عجزا يكاد يكون عاما، فحيثما نظرت ستجد خللا بنيويا جسيما وفي مجال التعليم بالاضافة إلى الخلل المنهجي نلاحظا خللا بنيويا، نقصا حادا في البنية التحتية وتراكما للتلاميذ في مالمدارس حيث وصلا حد يكون القسم عاجزا عن استيعاب الجميع، إذ كيف يستوعب فصلا بطول 6 متر وعرض 4 متر ما يزيد عن 100 تلميذ، كيف يمكن تعلم أي شيء في قسم بهذا الشكل، ناهيك عن الصعوبات سالفة الذكر، فإن تعلم لغة في هذه الظروف يعتبر نوعا من إهدار الوقت لا أكثر.

لنعمل لنتعلم بلغتنا الرسمية

الأربعاء، 11 مارس 2020

ضرورة تدريس مادة الاقتصاد في المرحلة الثانوية!



الناظر إلى خريطة العالم اليوم سيري الكثير من الصراعات والحروب ، سواء كانت حروبا مباشرة أو حروبا بالوكالة ، لكنها تشترك جميعا في الأهداف، بل لنقل هدفا واحدا أسمى؛ إنه الحفاظ على المصالح الاقتصادية الكبرى، و ستلاحظون كذلك أن كل دولة تستخدم ما لديها من قوة للابقاء على مصلحتها مهما كلفها ذلك، هذه الوضعية  تعطينا صورة واضحة عن الأهمية القصوى " للإقتصاد " الذي يعبر عنه بالمصالح الاقتصاية أو الاستيراتيجية الكبرى، لكن  والحالة هذه، هل سنكون على اطلاع  بخفايا هذه  الصراعات ونحن الذين نبدأ دراسة أهم مادة تربوية على الاطلاق في المرحلة الجامعية؟
إن الكثير منا يسقط في أول اختبار في وحل العاطفة الجياشة بعيدا عن الادراك الفعلى للمصالح الاقتصادية الكبرى، وتجد أحدنا يصطف مع هذا الطرف أو ذاك دون حساب للمصلحة "الاقتصادية" العليا للبلد،  وهذا ناتج عن ما يمكن تسميته " بالجهل الاقتصادي المزمن"
ومن هنا تأتي ضرورة التركيز على المفاهيم الاقتصادية عبر إدراجها ضمن المناهج التربوية من الاعدادية إن أمكن أو  في المرحلة  الثانوية على أقل تقدير، فليس من الطبيعي ألا تدرس مادة الاقتصاد التي تكتسي الأهمية المشار إليها بعاليه إلا في المرحلة الجامعية فقط.
إن المراد تدريسه هنا ليس التعمق في هذه المادة  (التخصص) بل فقط تكوين قاعدة معرفية ضرورية متمثلة في  " مبادئ الاقتصاد " من خلال التركيز على المصطلحات الاقتصادية و المفاهيم المتداولة بشكل يومي، حتى نخلق وعيا حقيقيا وتجذيرا مبدئيا لهذه التخصص الذي يشكل الأساس الذي تبنى عليه الدول.
أهمية تدريس الاقتصاد
كما أشرت سابقا  الاقتصاد هو الركيزة الأساسية للدول، وفهم هذا المقصد يعتبر أساسيا لجعل أجيال المستقبل تفهم بدقة معنى أن تحافظ على بلدك بالسعي الدؤوب للحفاظ على مصالحه الاقتصادية العليا، إذ لا يمكن لدولة أن تنهض و تنمو دون البناء على مختلف الأصعدة، ولن يتأتى ذلك دون فهم الطلاب في المرحلتين الاعدادية أو الثانوية بشكل أخص  لأهمية ذلك وطرق القيام به باعتبار أن هذه المرحلة هي السابقة على تحديد توجهات المتعلمين في التخصصات الجامعية ومن بعدها إلى سوق العمل، وسواء كان العمل حكوميا أو خاصا سيكون الخريج على اطلاع واسع على مختلف المشكلات التي تواجهه، كما أن فهمه العميق المبني على تعلمه لمختلف أفرع مادة الاقتصاد في المرحلة الثانوية سيخوله استنتاج أفضل الحلول لأي مشكلة قد تواجهه.
إن العديد من الدول تتبع هذا النهج مثل مصر ولبنان واليمن و بعض دول الخليج ، وقد كان من أهم أهداف منهج مادة الاقتصاد إطلاع المتعلم على المشكلات والقضايا التي تشغل مجتمعه وتعميق فهمه لها لمعالجتها وعقلنة سلوكه الاقتصادي مستقبلا، و تتعدد الطرق التربوية المتبعة في ذلك، فمنها من يسميه الاقتصاد المنزلي ومنهم من يسميه تدريس مبادئ الاقتصاد..إلخ، وفي كلتا الحالتين لن نخسر شيئا بل نحن من يكسب من ذلك عبر  تعليم الفرد كيف يفكر اقتصاديا واجتماعيا وكيف ينتج !
لكن كيف:
 أما عن كيفية ذلك؛ فيمكن أن يتم عبر إعداد كتاب تربوي اقتصادي  من إعداد  نخبة من اساتذة الاقتصاد بجامعة نواكشوط حيث يعهد إليهم بوضع تصور يصاغ على شكل كتاب بأجزاء أربعة ، هذا أولا، ثانيا ستكون هذه فرصة لتوفير فرص عمل لآلاف الطلبة الذي يتخرجون سنويا من كلية الاقتصاد ويذهبون إلى الشارع، فلا هم مسموح لهم بالاشتراك في مسابقة اكتتاب اساتذة الرياضيات ولا أساتذة الفيزياء ولا هم وفرت لهم فرص عمل أخرى بديلة، والمنفذ الوحيد لهم هو المسابقات التي تجريها الدولة لاكتتاب اداريين وماليين والتي تجرى غالبا كل ثلاث سنوات أو أكثر.
وبشك عام سيتجاوز الطلبة إلى المرحلة الجامعية وهم على اطلاع تام بماهية العديد من المصطلحات  والمواضيع التي يتم تداولها يوميا من قبيل ؛ التنمية، الاقتصاد الكلي، الاقتصاد الجزئي، الناتج المحلي الاجمالي ، الموارد الاقتصادية الطبيعية، البطالة (الأشكال والأنواع) ، الإنتاج، الدين العام، التنمية المستدامة، التضخم بأنواعه، الاستثمار، مشكلة الندرة ...إلخ
و لقد حملت مادة الاقتصاد أسوة بباقي المواد مجموعة من الأهداف التي تؤمن للمتعلم المفاهيم والمبادئ التي تساعده على فهم ما يدور من حوله، كما تسهل مسيرته التخصصية في الجامعات ولا تقف عند هذا الحد إنما تساهم في تغيير سلوك دارسها من خلال ترشيد تصرفاته عند أول مشكلة تواجهه في وظيفته مستقبلا ، زد على ذلك أنها تجعل المتعلم مطلعا على مشكلات مجتمعه، الاجتماعية والاقتصادية و العمل على معالجتها بموضوعية من خلال الفهم العميق الذي اكتسبه من خلال دراسته لهذه المادة، وكل هذا من شأنه أيضا أن يساهم في عقلنة سلوكه كفرد ، كما يساعده على تنشيط تفاعله واندماجه الاجتاعي  وتجعله واعيا لاختيار النشاطات التي تسهم في تنمية وطنه.

الأربعاء، 26 فبراير 2020

دراسة للبنك الدولي..موريتانيا من بين 22 دولة تهريبا للمساعدات الدولية



تعتمد العديد من دول العالم و إفريقيا تحديدا، وجنوب الصحراء بشكل أدق على المساعدات الدولية لمواصلة عملية التنمية، وبشكل عام يعتبر البنك الدولي المؤسسة التي تتبوأ الصدارة في دعم موازنات هذه الدول، إلا أن جدوائية هذه المساعدات تشهد انتقادا كبيرا سواء من طرف بعض الخبراء الاقتصاديين الذي يتهمون البنك الدولي بغض الطرف عن هذه الدول من حيث الفساد وسرقة هذه المساعدات أو من طرف مواطني هذه الدول الذين يعيشون الواقع بحيثياته، أي انعكاس تطبيق الوصفات التي يطلبها البنك الدولي من هذه الدول على الحياة اليومية للمواطن، إذ زادت البطالة وتم خصخصة الكثير من الشركات التي كانت توفر فرص عمل للكثير منهم، حتى ولو أنها ليست إلا حاضنة لبطالة مقنعة تتحمل الدولة فيها ثقل رواتب تقتطع دون مردود حقيقي.
يعتبر الانتقاد الأكثر حدة ذلك الذي يأتي من المواطنين أنفسهم حيث يرون أن مساعدات البنك الدولي لم تجلب لهم إلا البطالة، كما أن الدولة أصبحت تتخلى عنهم شيئا فشيئا من خلال رفع الدعم عن الكثير من الأمواد الأساسية سواء كانت موادا غذائية أو مواد أكثر تأثير على حياتهم مثل المحروقات، المتحكم الرئيس في كل شيء، فهم يرون ألا فائدة مطلقا من المساعدات الدولية، ويجب الاستغناء عنها، لكن في ظل العجز الذي تعانيه الموازنات لايكون أمام الحكومات إلا الرضوخ لمقترحات – أوامر – البنك الدولي، علما أنه لا تخلو تلك الحكومات من رغبة جامحة لتلك المساعدات حيث تمثل مصدر ثراء مهم للفاسدين عبر تهريب الكثير من تلك الأموال الى الملاذات الضريبية وغير الضريبية، وسبيلا لذلك تلجأ لتغطية " الفشل " الذي تعيشه من خلال تزوير الأرقام التي تزود بها البنك الدولي، ففي موريتانيا اعترفت الحكومة الموريتانية سنة 2005 بأن الأرقام المتفائلة التي كانت تقدمها للممولين غير صحيحة، بل كانت عرضة للتلاعب، هذا ما جاء على لسان أحد الوزراء كان عضوا في حكومة تزور حتى أرقام التساقطات المطرية  ( انظر كتاب مدخل إلى الاقتصاد الموريتاني ، المسيرة الملامح المؤشرات، الصفحة24) ، كما أنها كانت تزور الأقام ذات الدلالة الاقتصادية عن الفترة 1992 حتى 2004  مثل عجز الموازنة و سك النقود ومعدلات النمو و مبلغ الاحتياطي الاجباري، فقد كان الاحتياطي الالزامي لا يتجاوز 50 مليون دولار في حين تقول الحكومة أنه يصل 400 مليون دولار نهاية 2002 في ما كان معدل النمو الحقيقي 3% في حين تقول الحكومة الموريتانيا أنه 4.5% أما التوسع في حجم النقود فكان يزيد سنويا بمقدار 15% في حين كان هذا الرقم ضعف الأرقام التي تفصح عنها الحكومة االموريتانية للممولين (انظر الوثيقة على الرابط https://cutt.us/dujyh ).
وفي هذا الإطار صدرت دراسة بعنوان (Elite Capture of Foreign Aid يمكن ترجمتها ب " سيطرة - نهب - المجموعة الحاكمة على المساعدات الخارجية) لعينة من 22 دولة الاكثر اعتمادا على المساعدات الدولية لمجموعة باحثين بالبنك الدولي ( يورغن جويل أندرسن، نيلز يوهانسن، بوب ريكرز)  منشورة بتاريخ  18 فبراير 2020 عن الفترة 1990 – 2010، اعتمدت على العديد من البيانات المجمعة، وقد ركزت هذه الدراسة على التناسب الطردي بين الايداعات النقدية للنخبة الحاكمة في البنوك بدول تمثل ملاذات ضريبية كسويسرا و لوكسوبرغ  و في بنوك دول أخرى لا تمثل ملاذت ضريبية وقد وجدت الدراسة أنه  في الربع الذي يتلقى فيه بلد ما، ما يعادل 1٪ من الناتج المحلي الإجمالي ، تزيد ودائعه في الملاذات الضريبية بنسبة 3.4٪  مقارنة بدولة لا تتلقى أي مساعدة، كما أن منح البنك الدولي لبلدان مثل بوروندي أو إريتريا يتوافق مع زيادة في التحويلات إلى بلدان مثل سويسرا أو لوكسمبورغ إذ يتراوح متوسط ​​الودائع في الملاذات الضريبية بين 4 ملايين دولار لساو تومي وبرينسيبي إلى حوالي 200 مليون دولار لمدغشقر، من ناحية أخرى، لم يلاحظ أي زيادة في الأصول الموجودة في بلدان لا تعتبر ملاذات ضريبية وتتوافق هذه التدفقات المالية غير المشروعة مع ما مجموعه 5٪ من المساعدات الإنمائية التي يمنحها البنك الدولي للبلدان المعنية ويرتفع هذا المعدل إلى 15٪ بالنسبة للبلدان السبعة التي تعتمد بشكل كبير على المساعدات المقدمة من المؤسسة (بوروندي ، غينيا بيساو ، إريتريا ، ملاوي ، سيراليون ، أوغندا ، موزمبيق).
وفي ما يتعلق بموريتانيا فقد أظهرت الدراسة أنه قد تم تهريب مبلغ 32 مليون دولار خلال الفترة 1990 حتى 2010 إلى بنوك تمثل ملاذات ضريبية مثل لكسومبرغ و سويسرا حيث كانت تمويلات البنك الدولي عن هذه الفترة تمثل 2.1% في حين كانت المبالغ المحولة إلى بنوك دول لا تمثل ملاذات ضريبية في حدود 150 مليون دولار، وكان معدل النمو الفصلي للودائع في الملاذات الضريبية يساوي 2.14 أكبر بقليل منه في البنوك التي لا تمثل ملاذات ضريبية حيث يساوي 2.7%.



وما يمكن استنتاجه من هذه الأرقام أن موريتانيا خسرت مبالغ كبيرة كانت لتشكل رافدا مهما لعملية التنمية، على الرغم من الأرقام المتفائلة التي تعلنها الحكومات الموريتانية عقب فترة هذه الدراسة، حيث سيكون الشك يراودنا حيالها، فعلى الرغم من أن الأنظمة تتغير إلا أنها تبقى محافظة على جوهرها المتين الذي يُعتمد عليه في وضع السياسة العامة كما أن مؤشرات مدركات الفساد هي الأخرى – انظر مقال سابق بعنوان : الاقتراض الخارجي والفساد... لماذا نرهن أنفسنا؟ - تمنعنا من التفائل بالارقام التي يُعلن عنها تباعا.
وبشكل عام، فقد خلصت الدراسة إلى أن المدفوعات إلى الدول التي تعادل 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (موريتانيا تساوي 2.1%)  في ربع معين، تؤدي إلى زيادة ملحوظة إحصائياً في ودائع الملاذ بنحو 3.4 في المائة، وبالوضع في الاعتبار أن موريتانيا كانت تقدم أرقاما مغلوطة لمؤسسات التمويل الدولية و كذا بيانات الجدول أعلاه، ثم مَرْتبة موريتانيا المتدنية في مؤشر مدركات الفساد، لا يسمح لنا إلا أن نخلص إلى أننا ضحية عملية سرقة كبيرة لتمويلات سندفعها لاحقا مرغمين و بحجم مضاعف نتيجة معدلات الفائدة المتراكمة بفعل عمليات إعادة الجدولة الدائمة.

إقرأ أيضا :






الاثنين، 9 ديسمبر 2019

هل يحق لنا المطالبة بالغاء الاتفاقيات المبرمة مع المستثمرين الأجانب ؟




انطلقت قبل فترة حملة (تدوينية) على فيسبوك للمطالبة بطرد بعض الشركات المستثمرة في موريتانيا في مجال الصيد، خاصة شركة (بولي هوندون بلاجيك فشري السمكية)، التي اتهمت باستغلال الثروة السمكية الموريتانية بشكل ينتهك المعايير المتفق عليها كما أنها لم تلتزم بالاتفاقية الموقعة مع الحكومة الموريتانية، و نظرا لأن هذه المطالب قد لا تتماشى مع القوانين الدولة المتعلقة بحماية الاستثمار فقد أحببت المساهمة في هذا النقاش من خلال الفقرات اللاحقة.
تعتبر موريتانيا من بين الدول الفقيرة في العالم و العالم الثالث بشكل أدق، حيث يكثر الفساد والرشوة والمحسوبية و الصفقات تحت وفوق الطاولة، وهي ظروف مواتية لبعض المستثمرين الأجانب خاصة الشركات ذات رأس المال الكبير أو التي يصطلح على تسميتها بالشركات الفوق وطنية أو العابرة للقارات، أي أن قدرتها المالية و تأثيرها عابر للقرارات والسلط الوطنية إذ قد يكون مركزها المالي أكبر من ميزانية بعض الدول.
تبقى قوة الدولة و قدرتها على التفاوض هي الفيصل في الحصول على مردود أكبر أثناء المفوضات التي تنشئ على اثرها الاتفاقيات المبرمة مع هذه الشركات، و موريتانيا كغيرها من الدول التي تعتمد بدرجة معينة على المساعدات الدولية و ثنائية الأطراف، رغم اختلاف أنواع هذه المساعدات، تبقى معرضة بشكل كبير لضغوط هذه الشركات سواء عبر الدول التي تمثل هذه الشركات أذرعا اقتصادية قوية لها أو من قبل الشركات ذاتها التي قد تُقدم على مختلف السبل، خاصة إذا كانت الدولة تتوفر على مواد أولية هائلة مثل النفط والنحاس والذهب والغاز.
يورد العديد من الخبراء في الشأن الأفريقي تورط العديد من رجال الأعمال والمليارديرات أصحاب الشركات العملاقة في عمليات رشوة لزعماء أفارقة ولعل حديث الجنرال محمد ولد عبد العزيز عن محاولة المليارير الفرنسي  فينسان بولوري رشوته (لا تتوفر معلومات عن حقيقة الموضوع سوى ما ذكر هو ) خير دليل على قوة هذه الشركات التي وصلت حتى لمحالة التأثير على قرارت من هُم في سدة الحكم في البلدان الافريقية حتى وإن كانت تلاحقهم اتهامات فساد كثيرة، علما أن هذا الملياردير اتهم في فرنسا بقضايا فساد تتعلّق خصوصا باستحواذ مجموعته على موانئ في توغو وغينيا.
الحديث إذا عن الرشوة والفساد مسائل لا تنتهي أبدا و يعزز ذلك الاوضاع البائسة التي تعيشها أغلب دول القارة رغم كثرة الموارد الأولية التي تزخر بها هذه الدول ورغم المليارات الطائلة التي تتطاير من هؤلاء الحكام هم و أقابهم، و نظرا لأن الشركات الكبرى تسعى دائما للتوسع و الانتشار عبر الاستحواذ على كل مصدر للطاقة في العالم فإنها مستعدة لأي شيء و في مقدمة ذلك الرشوة بمبالغ تثير الدهشة  وتجعل عرق أي حاكم أو مسئول يتصبب كشلال هادر ، سبيلا للحصول على مبتغاها، إن المشكلة لا تكمن هنا فحسب بل تتعدى ذلك إلى المخلفات والآثار الممكن حدوثها ما بعد بداية استغلال هذه الموارد، فتتعدد هذه الآثار إلى بيئية كانتشار السموم (شركة نحاس موريتانيا) أو الى الاستغلال المفرط لهذه الموارد دون حسيب أو رقيب، فلا المسئولين مهتمين نظرا للمبالغ التي دخلت حساباتهم أو نظرا للعقود المبرمة مع شركاتهم و لا القدرة الفنية للدولة تسمح بمراقبة  فعّالة نتيجة الطبيعة السائدة في الدول الافريقية حيث لا تتوفر على الامكانيات الضرورية لمراقبة صارمة.
تبقى الاشكالية مطروحة بشكل كبير للدول الافريقية، ففي حالة سقوط نظام وحلول آخر بدله و فكر في مراجعة هذه الاتفاقيات أو ثارت  الشعوب الافريقية التي قد تطالب بمراجعة هذه الاتفاقية ، هنا و نظرا للقوانين الدولية التي تمنع انتهاك الاتفاقيات الاستثمارية  والتي تحمي حقوق المستثمرين عائقا كبيرا في وجه هذه المحاولات، إلا أن طريقة وحيدة تبقى متاحة للدول ضحية هذه الاتفاقيات المجحفة على الرغم من ضآلة  احتمالية الاستفادة منها نظرا لاحتياط الشركات الكبرى في هذا الجانب لخبرتها المتركمة. إن هذه الطريقة تتمثل في باب الغاء أو مراجعة الاتفاقيات في حالة اخلال أي طرف ببنودها، وقد أقرت موريتانيا في هذا الاطار مدونة الاستثمار الصادرة 2012 و المراجعة 2016 و التي ضمت العديد من المزايا والحوافز المشجعة على الاستثمار، إذ نصت بداية وفق " المادة التاسعة (9) من باب " ضمان وحقوق وحريات المقاولة" على أن (حرية النفاذ إلى المواد الأولية الخام أو شبه المصنعة المنتجة على كاف التراب الوطني مضمونة مع مراعاة الترتيبات التشريعية أو التنظيمية المتعلقة باستغلال المواد الأولية و تمنع عمليات التواطؤ و الممارسات المخلة بلعبة المنافسة و يعاقب عليها القانون).
أما النقطة الأهم والمتعلقة بمراجعة أو المطالبة بالغاء الاتفاقية (رغم تأثير الالغاء على فرص قدوم المستثمرين في المستقبل و مساهمتهم في تكوين رأس مال وطني ضروري للتنمية ) فقد أفردت المدونة سالفة الذكر لذلك المادة 30 تحت عنوان " النزاعات المتعلقة بتفسير أو تطبيق قانون الاستثمار " ضمن باب يسمى ( تسوية النزاعات) ما يلي:
( المادة 30 : كل النزاعات الناجمة عن تأويل أو تطبيق هذه المدونة تتم تسويتها بالتراضي، أو عند استحالة التفاهم بين الأطراف المعنية عبر التحكيم، أو تبعا لاختيار المستثمر أمام المحاكم الموريتانية المختصة طبقا لقوانين و نظم الجمهورية الاسلامية الموريتانية.
وفضلا عن ذلك فإن النزاعات بين المستثمرين الأجانب أو المقاولات المملوكة من قبل الأجانب الموجودة في الجمهورية الاسلامية الموريتانية، وبين سلطات الجمهورية الاسلامية الموريتانية، والمتعلقة بهذه المدونة يمكن أن تسوى بالتراضي أو التحكيم وذلك :
-         إما باتفاق الطرفين
-         و إما بالرجوع إلى الاتفاقيات والمعاهدات المتعلقة بحماية الاستثمار المبرمة بين الجمهورية الاسلامية الموريتانية و الدولة التي ينحدر منها المستثمر.
-         و إما باللجوء لتحكيم الغرفة الدولية للوساطة والتحكيم الخاصة بموريتانيا أو المركز الدولي لتسوية النزاعات المتعلقة بالاستثمارات الذي أنشئ بمقتضى " اتفاقية تسوية النزاعات المتعلقة بالاستثمارات " بين الدول و رعايا الدول الأخرى بتاريخ 18 مارس 1965 التي صادقت عليها موريتانيا).
إن اللجوء لهذه الطريقة يحدث في حالة إخلال أحد الطرفين بالاتفاقيات الناجم عنها عمليات استثمار، فهل راقبت الحكومة الموريتانية وتابعت نشاط هذه الشركة حتى تتحقق من التزامها ببنود الاتفاقية  لكي تطلب مراجعتها ؟
إذا يمكن أن نخلص إلى أن اتهام هذه المؤسسات يدخل ضمن ردود الأفعال العاطفية الموجودة لدى كل مواطن غيور على ثروات بلده، لكن هذه المواقف النبيلة يجب تحويلها إلى غضب  موجه إلى الحكومات الفاشلة التي سمحت أصلا ووافقت على استغلال هذه الموارد بالطرق القائمة حاليا بل إنه يجب أن يتطوع محامين مشفوعين بالبنود التي لم تلتزم بها هذه الشركة (أو الشركات) و تقديم شكاية لدى المحاكم المختصة إن كان القانون الموريتاني يسمح بذلك ، و إلا فلن يكون متاحا سوى مواصلة الضغط على الحكومة حتى تقوم بخطوات جادة لتصحيح هذه الخروقات.

الثلاثاء، 5 نوفمبر 2019

جمهورية في الاتجاه الخطأ



لطالما كانت الدول تبنى على العدل والمساواة والديمقراطية واحترام القانون و ما إلى ذلك من المعايير الضروية للعيش داخل مجتمعات منسجمة و متصالحة مع ذاتها، بل إن الجميع يسعى لترسيخ مثل هذه المميزات لأن توطيدها فيه مصلحة للجميع. ففهم ذلك و تقبل الآخر يصل بنا إلى دولة مدنية ديمقراطية لا تقوم على مجموعة من الأساطير والأوهام الفوقية البائدة و ما ينجم عن ذلك من تراتبية مقيتة ستكون الدولة كهدف منشود هي الضحية الأولى لها.
لكننا في الحقية نمتاز ككيان يحاول أن يكون دولة بالعديد من الصفات السلبية، و لعل أبرزها أننا لم نستوعب بعد معنى الدولة، إننا نعيش في عصر جاهلي تحكمه قوانين قبلية و مصلحية و تحالفات بدائية تضر أكثر مما تنفع، فحصلنا على " شبه دولة " يفصلها أحدنا على مقاسه، و مقاس أسرته ثم قبيلته والزوائد العالقة بها.
لقد بدأت الدراسة و كانت هناك مادة " التربية المدنية" ولعلها لا تزال لكن واقع مخرجات التعليم اليوم لا يوحي بذلك؛ فتفكير جلهم منصب حول قبيلته و أبناء عمومته لا أكثر.
إننا كمجتمع ساع للتمتع بمزايا الدولة يلزمنا محاولة تمثيل ذلك في سلوكنا اليومي قبل ترسيخه ليكون جزءاً من قناعاتنا وسيكون نتيجة ذلك التضحية بالقرابة و المعرفة  وتغليب جانب المصلحة العامة على تلك الضيقة.
 ليست المطالب الفئوية – و إن كانت نتيجة اللاعدل والغبن المسيطر - خدمة للدولة المدنية نهائيا، خاصة حين تكون تلك المطالب تهدف بالذات لتبوؤ نفس مقعد المفسدين والعنصريين، فتغدو ليست إلا مطالب من أجل الفساد و المساهمة فيه و المطالب بها ليس إلا شخصا مريضا ومقززا لا يرى أبعد من أنفه، وساعتها لن تكون هناك دولة ولن يتغير الوضع بل سيتعزز بفعل الجشع و حب الامتلاك الذي نعاني منه الآن و ستضيع الحقوق و يتأزم الوضع أكثر. إن الدولة كيان يسمو فوق ذلك كله، لذلك اخدم قضيتك من أجل موريتانيا، ولا تخدمها لتكون مثل من كان السبب فيها، غير ذلك تناقض و صاحبه معقد ذو نظرة قاصرة  و أفق فئوي ضيق.
أعود لأؤكد حاجتنا الماسة  لدراسة مادة التربية المدنية و بشكل يجعلها إحدى أهم المواد المدروسة مع استخدام ضوابط صارمة يجعل عدم حيازة المعدل فيها معيقا للتجاوز لتترسخ مبادئ المساواة والحقوق قبل كل شيء ، فالناظر إلى المفاهيم المجتمعية و في لغتنا المحكية يدرك أن السائد هو منطق الغابة والجهل والمصلحة الآنية، فأصبحنا لا ننتج فردا مساهما في التطور المنشود، بل شخصا معيباً يعمل بجدارة لأسرته وقبيلته لا أكثر، فاجترار أمثال " حسانية " من قبيل (ال تول شي ظاگو، أو كأن يقول أحدنا " افلان ذاك اعين يغير بلا فايدة " )  ليست إلا انعكاسا صارخا للتخلف و الانحطاط إلى الهاوية الذي يتعزز يوميا، إن هذه " الأمثال "  تصب مباشرة في تغييب معنى الإلتزام تجاه وطن يجب أن يسمو فوق المصلحة الذاتية و الآنية الضيقة.
لقد طغت في الفترة الأخيرة مجموعة من التعيينات تتكرر أسبوعيا، و التي يغلب عليها طابع القرابة والجهة و النفوذ - دون الخوض في جانب الفئة ، المفسدين لا فئة لهم -  بحيث لا يخلو منها يوم خميس تقريبا، تصب في أغلبها في نفس الاتجاه، و يغيب عنها طابع الاختصاص، فلا الوزير مختص و لا الامين العام ولا المدير، كلها تعيينات بوساطات نفعية ضيقة تأخذ القرابة و المعرفة سببا لها، بل إنها أسر معينة تتوارث مناصب كأن الدولة ليست إلا عزبة ملكا لها تتقافز على أهم مناصبها كتقافز القردة على قمم واحة نخيل.
 ولا يغيب في هذا الإطار الاشارة إلى ما سيتحمله المجتمع من ويلات جراء هذه التعيينات المصلحية، فلا يستطيع غير الخبير في مجال الغاز أن تكون له قيمة مضافة في مجال عمله. كما أن الشخص المعين بإحدى الطرق الملتوية لن يكون همه تقديم إضافة بل كيف يرضى من كان السبب في تعيينه (رد الجميل)، كيف لا؟!، و هذا المنصب غنيمة وقعت عليها عينه و لا يستطيع أحد ردعه فهو بتوصية جنرال أو نافذ فاسد (دون الحديث عن فئته).  
أخيرا، الدول التي لا تزال تحتكر فيها الأراضي باسم القبائل و تعطل مصالحها لأجل هذا الشيخ المتخلف أو ذاك، أو حتى تقدم لهم هدايا و رواتب بسبب القاب وهمية، حري بها أن يستحي القائمون عليها و يشعرون بالخزي، لأنهم يجنون على أجيال لا دخل لها في واقعنا المعيب.

رأيكم يهمني

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

blogtopsites'