الجمعة، 27 ديسمبر، 2013

الوحدة الوطنية ليست أغنية تافهة

صورة تخدم النص

الوحدة الوطنية ليست أغنية تافهة
قضية وحدث هما الشيئان البارزان الذان يحولان دون الوصول إلى حالة اجتماعية مستقرة غير البريق اللماع الذي يغطي الإحتقان الفئوي المتصاعد، ذانك الشيئان هما قضية العبودية ومخلفاتها البادية للعيان وأحداث 1989 الأليمة التي على الرغم من محاولة التسوية بخصوصها لا تزال تتفاعل وتتصاعد تظهر وتخبو بين الفينة والأخرى.
ما أريد الحديث عنه عبر هذه الحروف ليس القضياتان من حيث تفاصيلهما الدقيقة ، إنما انعكاساتهما أو مخلفاتهما على وضعية الوحدة الوطنية  موضوع الحديث في الفترة الأخيرة، لكن الحديث عنها (أي الوحدة الوطنية)  يتطلب تقديم  تعريف موجز لها، فهي مسألة ملحة و ليست أغنية يتغنى بها مجموعة من الأطفال يلقحون في منازلهم عن وعي أو لا وعي ما ينافيها تماما، فالأطفال الذين يسمعون يوميا عبارات جارحة أو عبارات تنقيص من قيمة الإنسان من قبيل (امعيلم، آزناكي، كويري ، حريطاني ، "زنجي"، ، بيظاني ، زاوي... ) لن تتمكن المدرسة من غرس روح المواطنة في  مخيلاتهم البريئة- هذا إن كانت تسعى في ذلك - ، لأنه ببساطة شديدة لا يمكن مقارنة تأثير جو الأسرة التي يقضي فيها الأطفال جل أوقاتهم مع وقت المدرسة القليل جدا، ناهيك عن أن قدوة الأطفال هم آبائهم و أمهاتهم وبالتالي نحن بحاجة إلى عمل جبار للتغيير من تلك النظرة الدونية، أعود لموضوع تعريف الوحدة الوطنية لأقول أنها عبارة عن " مساواة في الحقوق والواجبات ، والإلتفاف حول هدف أسمى هو الدولة، والإبتعاد عن التحزبات الجزئية التي تفت من عضد التآخي والتعاون،و وضع الجميع على خط انطلاق واحد يسمح لهم بالتنافس بكل مسؤولية".
أهم و أخطر قضية متداولة اليوم هي موضوع العبودية ومخلفاتها الكارثية ( الغبن، التهميش،  اللامساواة ...) إذ تخلق حراكا على مختلف الصعد ، لكن السبب الأبرز لعودتها إلى الواجهة حسب رأيي – علما أنها لم تخب تماما – هو حراك منظة إيرا الحقوقية المدافعة عن المستعبدين، لتتوالى ردود فعل كثيرة مستنكرة ومستهجنة للخطاب الإيراوي  "المتطرف" هذا الخطاب الذي كان له الأثر البارز حسب الكثيرين لتهديد الوحدة الوطنية  لاحتواءه على عبارات شديدة اللهجة موجهة لعنصر معين متهم بالإستعباد في حين يراها البعض ضرورية لمجتمع كالمجتمع الموريتاني المريض المتشبث بتفاهات يراها مشروعة.
بالإضافة للسبب سالف الذكر ، تأتي حالة الوعي العامة التي تشهدها نخبة فئة (لحراطين) ومحاولتها النهوض مما تراه ركودا خيم عليها منذ زمن طويل ، تأتي لتضيف للجو العام نوعا من الحركية مطلوب من أجل مصلحة البلد العليا، لأن البناء الذي يقوم على أساس مشوه لا يمكن أن يستمر، لكن دعوني أشير إلى أن حالة الإستقطاب هذه ما كانت لتحدث لو أن الدولة الموريتانية وعت بخطورة الموقف وعالجته بكل جدية من خلال العدل والمساواة والتمكين لكل أطياف الشعب الموريتاني بدل الإعتماد على مسرحيات فلكلورية باهتة ينتهي مفعولها مع آخر مشهد سيء منها. والضحية في نهاية المطاف هو وحدة وتماسك الشعب الموريتاني، إلا أن البعض يرى الموقف من زاوية ضيقة جدا لذلك يعتبر المطالبة بالإنصاف أو المساواة عنصرية وتهديد للوحدة الوطنية، بالعكس، هي بلسم سيداوي ذلك الجرح الغائر الذي زرعته منظومة فقهية مجحفة ثم أحد أعتي الأنظمة وأطولها فترة جثم فيها على كواهل المواطنين. ومن تلك المآسي التي لا تزال إلى اليوم تنغص روح التآلف والتآخي مأساة أحداث 1989 الأليمة التي يبدو أنها لم تندمل بعد والسبب بطبيعة الحال هو العلاج الممرض الذي اتبع في الفترة الماضية لمداواة مخلفات تلك الأزمة.
الوحدة الوطنية إذا من هذا المنطلق لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الإهتمام بالكثير من القضايا مجتمعة، دون إهمال أي منها و يأتي في مقدمتها موضوع العبودية وأحداث 1989، وقضايا أخرى.
 أول العلاج هو الإعتراف بحجم المشاكل التي تسبب انعدام الوحدة الوطنية كمفتاح للقضاء عليها، ثم بعد ذلك ننزل إلى الميدان لنعالج تلك المشاكل واحدا واحدا وبكل تجرد، لقد أشرت سابقا أن الموضوع الأبرز هو قضية العبودية ومخلفاتها ولن يتأتى علاج ذلك إلا من خلال التركيز على الجانب الديني وابراز ما يثبت ان المواطنين متساوون أمام الله ولا فضل لأحدهم على أحد، لا أتحث هنا عن أحاديث يتيمة لأحد الفقهاء هنا أو هناك وفي أوقات مختلفة، أبدا، المسألة يتم حلها بإصدار فتوى جامعة من كل علماء وأئمة موريتانيا ( باستثناء ممثل رابطة العلماء الموريتانيين في كيفة ومن ينحو منحاه)، توضح بصريح العبارة أن ممارسة هذه الظاهرة وإلباسها لبوسا دينيا افتراء على الله ، أو لنقل أنها تفسيرا غير سليم لما ورد في الدين الإسلامي الحنيف، يسبقها عمل إعلامي كبير حتى تحظى بالزخم الكافي، ثم تقديم الإعتذار لكل من مورست عليهم العبودية إلى الآن.
تأتي في المرتبة الثانية أحداث 89  إذ ستظل تؤرق الوحدة الوطنية الى الأبد ما لم تحل بشكل جذري  ولا  يكمن حلها بالضرورة في القتل بل قد يكون عبر ايجاد طريق ما لإرضاء الضحايا و الطرق الى ذلك كثيرة ولن يعدم أحدها للسير بالمجتمع الموريتاني نحو الأفضل.
في الأخير يمكن أن تعزز الوحدة الوطنية عبر خطوات أخرى مهمة مثل تغيير مناهج التعليم وادراج ما يحث على الوحدة الوطنية كأهمية الدولة وقيمتها ككيان أولى بالتضحية من القبيلة مثلا، وذلك عبر غرس قيم الإحترام لدى النشء و التركيز على التربية المدنية
و تدريس اللغات الوطنية و ثقافات مكونات المجتمع الموريتاني المختلفة  وتقديم مساعدات وجوائز لمن يأتي بأفكار تعزز الوحدة الوطنية ،تعميم التعليم وإلزاميته وخلق البنية التحتية اللازمة لذلك  ومعاقبة كل من يخالف تلك المضامين حسب ظروفه المعيشية.



السبت، 7 ديسمبر، 2013

رحيل زعيم وحداد نظام غشيم

رحيل زعيم وحداد نظام غشيم

فُجع العالم الحر برحيل المناضل الأشهر الزعيم نلسون مانديلا (ماديبا)، رحيل قامة تفيض إنسانية و إخاء، قامة كرست حياتها للنضال من أجل الحرية والمساواة، و تلقت على إثر ذلك أشنع الأوصاف و أقبح النعوت، لكن نسيم تلك الشخصية أبى إلا أن يجوب العالم حاصدا تعاطف الشعوب التي تعرف منى الإنسانية والحب، فغنت الفنانة الراحلة ديمي منت آب الأغنية الشهيرة والجميلة ضد نظام الفصل العنصري الذي كان ماديبا واقفا ضده بكل شموخ، رحيل الزعيم المناضل خلق تعاطفا شعبيا إفريقيا بالمقام الأول وعالميا تمثل في كلمات لمعظم الزعماء تأبينا له.
هذ التأبين وبكاء فقيد الحرية يمكن أن نتقبله لدى العالم الحر ، أما العالم الغارق في العنصرية والغبن واللامساواة فذلك يسمى نفاقا، بل يسمى نوعا من القفز على المعاني السامية للإنسانية ومحاولة تجاوزها بشتى الطرق، ذلك العالم غير الحر القابع في قاع العنصرية واللامساواة والتمييز يمثله النظام الموريتاني ، هذا النظام الذي لا يخجل من نفسه ، نظام حيث تُكتشف يوميا حالات من العبودية بمعناها التقليدي، حالات من امتهان كرامة الإنسان في القرن الواحد والعشرين، فبأي وجه يا ترى استطاع هذا النظام أن يعلن حدادا على الزعيم (ماديبا)؟ ، أليس هذا نفاق علنيا؟. نظام أعرب منذ أيام عن اعتراضه على جائزة أممية للمناضل الحقوقي (برام ولد اعبيدي) ، أليس هذا تناقضا؟.
من يبكي المناضل العالمي (ماديبا) عليه أن يحارب العبودية والتمييز ويحارب الفوارق الإقتصادية الشاسعة، عليه أن يحارب التمييز ضد المرأة وضد  عمالة الأطفال ، نظام عليه ألا يكون قد احتل منذ شهر تقريبا قمة الترتيب العالمي لمنظمة (وولك افري) من حيث ممارسة العبودية الحديثة ، ومع ذلك يتبجح بالحداد على رحيل (ماديبا).
نظاما يمثل التناقض في كل شيء عليه أن يخجل من نفسه، عليه أن يدفن رأسه في التراب، بل عليه أن يختفي نهائيا، فالعالم اليوم لم يعد ميدانا للضحك على الذقون ومحاولة خداع الإنسانية بعبارات وشعارات رنانة في العلن وعكس ذلك في السر.
هل يمكننا أن ننسى مأساة إنال؟ كيف تطاوع النظام نفسه بأن يبكي ماديبا والعديد من المشاكل لا يزال مدفونا دون حل، بل يتم التعتيم عليها ووضعها ضمن المحظورات، إذا كان النظام يبكي (ماديبا) حقا، أليس من المفروض أن يحل الكم الهائل من المآسي العالقة؟
"لمعلمين" فئة هامة من المجتمع الموريتاني بدأت تطالب بإنصافها ومعها حق في ذلك، و"لحراطين" كذلك، أليس من الإنصاف أن ينظر في الواقع الإقتصادي الذي يعانيه معظمهم، ناهيك عن العبودية التي يعانيها كم هائل من هذه الشريحة في المناطق الداخلية، ومع ذلك يصر النظام المتباكي أن يُنشئ منظمة لمكافحة "آثار الإسترقاق" ولدت ميتة.
من ناحية أخرى دعونا نعرج قليلا على القوى الرجعية المتدثرة بلباس المجتمع المدني، هذه المنظمات التي يحركها النظام الإنقلابي من وراء ستار عبر مخابراته، دعونا نستدعى إعلان هذه المنظمات الكرتونية التي تدعي أنها (منظمات مجتمع مدني)، لنقول ما شأن العالم بزعزعة استقرار نظام انقلابي مزعزع أصلا؟، ألا يعرف النظام عديد المظاهرات والمطالب المشروعة يوميا، ألا تكفي هذه الوضعية المزرية العالم من أن يتدخل في الشؤون الموريتانية المفضوحة أصلا.
علينا أن نعزز وحدتنا الوطنية لكن كيف؟ هل عن طريق الأغاني التافهة والإجتماعات الباهتة من أجل الصور أو من أجل أن نظهر للعالم الخارجي كم نحن صادقين، أم عن طريق فلم رخيص يجمع مجموعة من الجهلة يناقشون مسألة عميقة بسطحية مبتذلة، ومثيرة للشفقة، أم عبر صورة تجمع يدين مبتورتين من الواقع المأساوي لنقول هذه هي الوحدة الوطنية؟ ، أم عبر احتفالات كرنفالية بخرق صفراء وخضراء لا تقدم ولا تأخر؟
الوحدة الوطنية مسألة مقدسة تستدعي وضع النقاط على الحروق، تستدعي أن نقول لفلان أنت أخطأت وستحاسب، إنها العدالة والمساواة بحيث يسمح للجميع بالشعور بوطنيته، وتسمح للشخص بولوج أعلى المناصب وفق ما يسمح به تعليمه، إنها سلوك مدني شفاف و إدارة واضحة للجميع بحيث يستطيع أي إنسان أن يمشي مرفوع الرأس لا يخاف لومة لائم.

لكي يكون حدادنا وبكائنا على رائد الحرية نلسون مانديلا (ماديبا) حقيقية وليس دموع تماسيح، علينا  أن نحارب العبودية بحق، علينا إنصاف "لمعلمين" علينا إنصاف "الزنوج" ومعاملتهم كموريتانيين جديرين بموريتانيتهم وليس مشكوكا فيهم، علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا من أجل موريتانيا وليس العكس.

رأيكم يهمني

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

blogtopsites'