‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 4 نوفمبر 2018

قصة قصيرة : الجريمة

نظر  من النافذة، فجأة، حدث جلل تجري وقائعه تحته مباشرة، قال بلا  مبالاة ، هذا شيء عادي جدا، يحدث يوميا. أغلق النافذة بهدوء حتى يتخلص من جَلَبة الأصوات التي تتسرب دون استئذان من نافذته الزجاجية، أخذ عدة دقائق لينسى المشهد، ثم هاجمه شريط الأحداث بعنف مبالغ فيه، كأن ضميره استيقظ دون سابق انذار. عشرون شخصا يتفحصون الجثة، يبدو للوهلة الأولى ألا ورق إثبات عن المتوفى، رجل بدين تكفل بالمهمة يقلب الميت على جانبيه كمن يتفحص جثة كلب بلا رحمة، لا بأس ، لقد قام بتصرف خاطئ تماما، كان ينبغي انتظار وكيل الجمهورية.
 لكن من لديه تلك الثقافة المدنية، من يعلم ذلك؟! يبدون مجموعة من البدو، لا يفقهون أي شيء في القانون ولا في علم الإجرام، ربما هم مشاركون في الجريمة. التفرج على الأحداث المألمة سمة هذا المجتمع، قال شاب ذات يوم متفاجئا.
أخرج ورقة، أفردها باستعجال، كانت يداه ترتعشان كالسكران أو كطبيب غير مجرب، أو ربما كمبتدأ وصل للتو لذروة عملية جراحية داخل غرفة النوم.
الجميع يريد إلقاء نظرة على الورقة، يتهامسون، تزداد الأعداد و تزداد الأصوات تبعا لذلك.
هاتف يرن، اتصال غامض ومفاجئ، يبتعد أحدهم عن الحشد، معالي الوزير ، كم أنا مسرور باتصالكم، لقد تم ترتيب كل شيء، في انتظار معاليكم، يعيد الهاتف مزهوا إلى داخل جيبه الجانبي الأيمن.
سيارات كثيرة، أناس ينزلون بهدوء، بشرتهم لا تشبهنا بتاتا، لا تشبه الميت أيضا، هل هم ورثته، أهله على الأصح!؟ يتسائل أحد أفراد الحشد، يجيب آخر بتهكم بل هم القتلة، أتعرف المثل القائل، يقتل القتيل ويمشي في جنازته، إنه ينطبق عليهم تماما، لم يقتنع، يضيف متسائلا، هؤلاء أثرياء،  سيارات و عطور و أحذية و هواتف راقية، لم يقتلونه، مالداعي لذلك؟!
يضحك أحدهم ضحكة طويلة، في غير محلها، يتوارى بين الحشود ونظرات الحضور تلاحقه باشمئزاز، يردد بكلمات ممزوجة بضحكاته، أنتم من قتله، أنتم الخونة أنتم المجرمون، أصحاب السيارات الفارهة والعطور الفاخرة، كلها من أمواله، أنتم سرقتموه، ولا زلتم تسرقونه وهو يحتضر، دستم كرامته والآن لا تريدونه أن يموت بسلام ، بل ليبقى حيا حتى تسرقونه أكثر.
لم يعره أحد أي انتباه، كالعادة، واصلوا النظر إلى جثته التي بدت تذبل شيئا فشيئا. أخيرا  وصل وكيل الجمهورية، بدأ يسأل بتعال و تأفف من لمس الجثة؟. هذا تعدي، تجني، هذا فساد، ينظر أحدهم للآخر متسائلا، فســــــــــاد ؟! يواصل وكيل الجمهورية، سأسجن المتسبب في موته، سوف تثبت المعاينة القاتل بينكم، السجن هو مصيره، سنبني سجونا جديدة حتى تتسع لكم جميعا أيها اللصوص، أكلة أموال الضحية. ينفض الحشد، االواحد تلو الآخر ، همهمات و أصوات أقدامهم تبتعد إلى أن تختفي، لا يقدرون على المواجهة، لكن كيف، السلطة معه والقضاء كذلك. يلتفت إلى مساعده، يغمز بخبث، لا يزال حيا، إنه لن يموت ببساطة. يرد المساعد بنبرة تهكمية، موريتانيا لن تموت بفضل قيادتكم الرشيدة.

الأربعاء، 12 أبريل 2017

قصة قصيرة : السّـــــــــــــــــــــــــر




وضع رأسه بين راحتي يديه وانخرط في بكاء صامت، ثم فجأة، أصدر شهيقا ثم زفيرا طويلا جدا حتى أيقنت أن روحه صعدت إلى السماء مباشرة، كانت عيناه حمراوين، وشعر لحيته كثيفا تتخلله شعيرات بيضاء علامة على وقار نادر، أنفه طويل أسفله شنبٌ معد بشكل أنيق، سحنته الباردة والكئيبة توحي لك بسر دفين، كان العرق يغطي كامل وجهه كمن تعرض لحرارة مرتفعة لفترة طويلة، رفع رأسه وبدون مقدمات وقال:
أتراهم يسامحوني؟
هل أستحق كل هذا العذاب ؟
وبدأ في نحيب مسموع هذه المرة حتى انهمرت دموعه وخلّلت لحيته الكثيفة، كان صوته يتزايد باستمرار ، دامت هذه الحالة ما يقرب من دقيقتين.
وقف منتصبا ونظر حوله، إلى كل جوانبه كمن يتفقد شيئا ما ثم قال: ذلك أمر مضى، والله غفور رحيم، وهو أدرى بما تخفي الصدور.
تقدم خطوات إلى الأمام ، تنحنح، ترنح قليلا، ثم كمن تذكر سرا ماضيا يعود لزمن سحيق، رسم ضحكة باهتة على محياه، نظر إلى السماء طويلا وقال: آه من تتلك الأيام الجميلة! كم كنت محترما وذا شأن ولكن ......

سكت فترة قبل أن يكمل قائلا أستغفر الله وبدأ في نحيب مسموع تتخلله كلمات نابية وقاسية يوجهها لنفسه الأمارة بالسوء، تذكر تلك المرأة الفقيرة، تلك المسكينة، ثم جلس متكورا على نفسه ولاذ بصمت قاس تقطعه أحيانا همهمة غير مفهومة ترتفع وتنخفض بتتابع آلي.

الخميس، 16 مارس 2017

قصة قصيرة : وِجْهَة






دخل في مشادة كلامية قاسية مع حارس الساحة الثقافية الوحيدة في المدينة، لم يسمح له بالدخول، وقف في الزاوية الخارجية بعد أن باءت كل محاولاته بالفشل ، أشعل سيجارة رخيصة ثم نفث كمية هائلة من الدخان اتجاه الحارس ، و كأنه يعبر عن حنقه من تصرفه القاسي في حقه.
كانت لديه جريدة ورقية وجدها في الشارع على أحسن تقدير، يمسك بيده اليمنى إحدى دفتيها ويمسك بيده اليسرى الدفة الأخرى،  بدأ يحرك رأسه علامة القراءة في صمت.
يقلب صفحاتها، يقرأ " ... يعتزم مركز معاوية لترقية الشباب تنظيم ندوة ثقافية هذا المساء بعنوان " دور الثقافة في التنمية "، ابتسامة باهتة ترتسم على محياه، يكرر في صمت وتهكم، " دور الثقافة في التنمية " ؟!
نظر إلى الساعة صينية الصنع في معصمه، تبادر إلى ذهنه منتجات الصين الرخيصة ، سور الصين العظيم، مقارنة بل مفارقة يقول في ذهنه ، كيف لمن بنوا سور الصين العظيم أن تكون لهم منتجات بهذا المستوى من الرداءة، أسئلة أخرى تتوارد إلى ذهنه، ينتبه، إنها الخامسة و الربع، لعل الندوة بدأت الآن، خطوات متثاقلة إلى القاعة الرئيسية حيث تعقد الندوة.
 أطل برأسه، يتفحص المقاعد الواحد تلو الآخر، ستة أشخاص يجلسون بطريقة عشوائية، المنصة يغطيها رداء أخضر ، قنينتي مياه معدنية تمتلآ إحداهما حتى النصف و الأخرى أقل قليلا، علبة مناديل خاوية، و أوراق مبعثرة تبدو مخلفات لعملية تسويد غير مكتملة، المنصة ترتفع عن مستوى القاعة قليلا لكنها خالية من أي شيء مهم.
 يفتح الجريدة من جديد، يتفحص توقيت الندوة، إنه متأكد مما قرأ، عيناه لم تخذلانه. اتخذ مكانا بين اثنين يبدو أنهما يدخلان مكانا فسيحا ومكيفا لأول مرة، نظر في ساعته مطولا، مطّ شفتيه، ثم قال بصوت مرتفع و متعمد: ألم يحضر أحد بعد، أليس مكتوبا في هذه الجريدة اللعينة أن الندوة تبدأ منذ نصف ساعة مضت؟. التفت إلى الجالسين بجانبه، لم يردا بكلمة واحدة، فقط أحدهما حرك منكبيه تعبيرا عن نوع من الاستنكار أو اللامبالاة، أو لنقل أنه معتاد على هذا النوع من الأحداث.
دخل شخص من الباب الجانبي للبناية، يرتدي بنطلون جينز أزرق اللون، يضع نظارة تبدو غالية الثمن من بعيد، وضع ورقتين على المكتب الخاص بالمحاضر، أجال نظره في القاعة، انصرف مع حركة آلية من يده اليمنى ثم بدأ صوت قدميه يختفي رويدا رويدا وهو يصعد  السلالم إلى الدور العلوي.
كانت الساعة في حدود السادسة مساء عندما دخل شابين يرتدي الأول منهما " دراعة " تبدو غالية الثمن يبدو ذلك من نوع الخياطة التي تطرز جيبها، و يزيدها نوع القماش المصنوعة منه، تستطيع دون عناء أن تكتشف أنه معجب بنفسه، كان ينظر إلى القاعة باشمئزاز أو تكبر، لم يستطع " ألَمِينْ " أن يتبين من ملامحه إلا أنفه الطويل و وجنتيه البارزتين و عينين تبدوان مستديرتين من بعيد بشكل غير متوقع، أما الآخر فلم يكن إلا الشخص الذي دخل قبل ذلك بتينك الورقتين الخاليتين من أي حرف.

أفرد الورقتين ثم نظر إلى الحضور مرة أخرى وقال: لقد قررنا تأجيل الندوة إلى وقت آخر سيحدد لاحقا. وقف بسرعة ثم غادر من نفس الباب يتبعه صديقه صاحب الورقتين. تبادلنا النظرات في ذهول ثم خرجنا من الباب حيث دخلنا. تذكرت حارس الساحة الثقافية الوحيدة، أجريت مقارنة بسيطة بين الرجلين، فبدى ساعتها أنهما يشتركان في كل شيء.

السبت، 22 أكتوبر 2016

قصة قصيرة : لَسْتَ رَجُلاً


   
في تلك اللحظة الهادئة، اجتاحني ذلك الشعور المفاجئ، لم تكن لحظة مناسبة شيئا ما ، كانت مليئة بالتأمل ، لحظة لا وعي، سبات عميق ، شعور لا إرادي مبهر، كنت استحضر لحظات حاسمة مررت بها إبان تجربة فاشلة ،قاسية،لا أعرف كيف اقتحم ذلك الشعور المقيت سكوني النادر ذاك و في فترة خواء شعوري فريدة.
 استجمعت كل قواي العاطفية و كلماتي اللطيفة، الساحرة، رتبتها في ذهني بعناية، أنتظر اللحظة المناسبة لانقض عليها في وقت لا تملك فيها مناعة ضد شعوري الجارف، لكن تلك اللحظة لم تحن، على الأقل في ذلك التوقيت المشهود، أو ربما لم أجد القوة الكافية. لقد قال زميلي إني أضعف في اللحظات المناسبة دائما، وهكذا تفوتني الفرصة باستمرار، لقد قال لي ذات مرة ، أنت مستودع الكلمات العاطفية لأنك لا تقدر على البوح بها أبدا، لقد جرحني بعمق  في رجولتي، في كرامتي كعاشق.
 قررت أن أدخل في تلك العملية الانتحارية اللطيفة، انتظرت كالعادة على قارعة الطريق الأبدي الاعتيادي، مركزا على الاتجاه الذي سيطلع منه البدر، إنه بدر الصباح الباكر، المارة يرمقونني بنظرات باردة وغريبة، قلت في نفسي لعلهم لاحظوا وجودي في هذا المكان باستمرار، تجاهلتهم وركزت ناظري في اتجاه الشروق بثبات لا يلين، أكاد لا ترمش عيناي، لقد حزمت أمري ، سأمطرها بمكنونات قلبي التي باتت تأرقنى.
 في لحظة سهو لا إرادية، مر بي طيف عطرها الأخاذ، لقد تعودت عليه من كثرة ما لحقتها من مكان إلى آخر و بصمت قاسي مرْ.
 في تلك اللحظة بدأتْ جينات رجولتي في فوران شديد، ألحق بها؟ ستصدني، أأقول لها ؟ ستتجاهلني، ماذا أصنع؟ ، ضاعت في زحام بشري هادر ، لم أتبينها، لقد تاهت وتاه أملي، لقد فشلت، وعاودتني عبارات صديقي الحميم، أنت فاشل من هذه الناحية، قلبت هذه الكلمات في رأسي مئات المرات، عزمت على إثبات العكس في أول فرصة سانحة.
 في اليوم الموالي، وقفت في نفس المكان ، نفس المارة ونفس النظرات المستفسرة، وبعد برهة يغمرني ذلك الطيف الجميل، تنحنحت قليلا ، أستعد للكلام، لم تلتفت وكأنها لم تسمع صوتي على الرغم من قربها، قلت في نفسي لعلها لا تريدني، ويجب ألا أعرض نفسي للمهانة، كانت قد ابتعدت عدة أمتار، لم أجد نفسي إلا وأنا اندفع خلفها بعنف شديد، وقلت لها جملة واحدة، سيدتي ما اسمك ؟! هكذا دون مقدمات، أجابتني ، نعم !؟، شعرت بضعف لا يوصف، قلت مكررا : ما اسمك؟، ماذا تريد من إسمي؟، وابتسامة تعلو محياها البهي، لا فقط أراك كل يوم وأحببت أن أتعرف عليك، قالت بسرعة خاطفة، أعرف!، تعرفين!، تعرفين ماذا ؟ لا شيء، إسمي زينب، هل أعرف المناسبة؟ عقد لساني ولم اعرف بم أجيب ولا بم أمهد لكلامي، فقط اندفعت بفعل الهيجان الذي خلفه لدي كلامها، أنا أحبك، أحبك منذ بدأت تسلكين ذلك الطريق المرسوم في ذهنك بدقة متناهية ، أقصد في ذهني، الطريق من حيث يبدأ من طرف حيكم الجميل، انتهاءً بهذا المكان حيث سينتهي تعبي ،هذا ما يخبرني به شعوري، أنتِ من الآن من نصيب قلبي، هذه مفاجأة لك صحيح، ولكنني تعبت من الانتظار.

 نظرت إلي بعينين باردتين زائغتين وقالت بهدوء مريع، أعرف. قلت بنفاد صبر تعرفين ماذا؟ قالت : أعرف أنك لست رجلا هكذا استنتجت منذ اللحظة الأولى و أنا لا أحب الرجال غير القاطعين، وغابت في بحر بشر متلاطم، وبقيت غارقا في ذهول أشبه بالجنون.

السبت، 8 أكتوبر 2016

قصة قصيرة: السالك ولد خطري





* أي تشابه في الأسماء فهو محض صدفة

دخلت مريم مسرعة إلى غرفة النوع، كان وجهها جميلا كالقمر ، بفعل المواد التجميلية التي غطّته بها بطريقة متناسقة بحيث يستحيل ألا يفتتن بها أي رجل تلتقيه  ثم  قالت: كل الترتيبات باتت جاهزة و أهل العريس وذويه اتصلوا علي ليخبروني أنهم في الطريق إلينا في الموضوع الذي تناقشنا فيه ليلة الجمعة الماضية لمّا كنا نقضي عطلتنا في واد الناقة، ألا تذكره؟ هيا تجهز بسرعة لكي تستقبل الضيوف الرجال في الصالون المخصص لهم وأنا سأستقبل السيدات في الصالون المخصص لهن، لكن، لحد الساعة لم يأت محمود السائق ، لقد أرسلته إلى سوق " كبتال " ليجلب لي ملحفتي من عند سمِيَّتي مريم.
أطلق محمد الأمين طلقتين في الهواء ليوقف المهربين ، لأنه تأكد أنهم ليسوا أولائك الذين يعرفهم جيدا في فيافي " أكجوجت " لطالما اتفقوا جميعا على نقطة التجمع، فليس الوقت ملائم لمثل هكذا أمور غير مبرمجة، فالتحضير للعرس في مراحله النهائية وهذا ما لم يقبل به القائد. يجب أن تكون كل الأمور مرتبة تماما، بحيث لا يتعكر صفو القائد، فهو مشغول بالتحضير لمستقبل ابنته والترتيب لزفافها مع أحد أبناء أسرة أهل الركاد ، الأسرة الغنية عن التعريف والتي تملك شركات متعددة للأشغال العامة.
دخلت عليه مريم وهو لا يزال متجهم الوجه، لم يستعد بتاتا للضيوف، قالت والهلع باد عليها: ما بالك!، ماذا تنتظر؟ الوقت يداهمنا ، أسرع. كان جوابه صادما وغير متوقع، قال وبكل لامبالاة، اهتمي أنت بالموضوع ورتبي كل شيء، أوافق على كل ما ستقومون به، تعرفين ذلك جيدا. أشعل سيجارة مالبورو واستلقى على قفاه وشرد بعيدا بعيدا جدا، يبدو حزينا أو أن هناك ما يشغله لكنه يرفض الحديث. ضربت كفيها ببعضهم البعض متحسرة ثم خرجت إلى الضيوف فالوقت لا يسمح بكثير من الجدال.
بدأت القصة التي جرت الليلة الماضية تعتمل في مخيلته من جديد، يحرك يده اليمنى  و كأنه يرى وجه يده وقفاها لأول مرة، كان كمن يحدث نفسه، كيف، لدي إبنة على وشك أن تتزوج، كيف إذا بي لا أقدر على ذلك، ما بال مريم لم تقل أي شيء، فهي تعلم ما أعانيه كل ليلة، أتراها تخونني؟ غير معقول ما يجري !، أنا لا ألبي لها رغبتها ومع ذلك لا تعترض، لا شك أن لديها ما يعوضها عن إخفاقي، يجب أن أرى ذلك بنفسي. رنّ هاتف السامسونج نوت 7 عن يمينه، ثم قال ماذا يريد هذا الغبي في هذا الوقت، ألا يعرف أنني مشغول، تَردد ، ثم بدون مقدمات، نعم ، ماذا هناك؟ من الطرف الآخر صوت مرتعش يلقي في وجهه الخبر، سيدي مجموعة من الشباب تتظاهر الآن أمام مقر المفوضية ، ماذا نفعل ؟، إنهم يحملون لافتات كتب عليها يسقط الجنرال السالك ولد خطري قائد الشرطة، يسقط  جنرال المخدرات، آسف سيدي الجنرال على هذه العبارات ولكنني أردت أن أنقل لك ما يجري بحذافيره حتى  تكون على علم تام بالموضوع، ليس هذا وحده إنهم يطالبون بإقالتك و سجنك آسف مرة أخرى يا سيدي. إسمع لا تتحركوا آنا قادم الآن.
في التاسعة و ثلاثة وعشرون دقيقة بالضبط يأتي اتصال غير متوقع، ينظر إلى الهاتف باستغراب، أهذا وقتك أنت الآخر، لطالما جلبت لي المتاعب، لا تستطيع أن تنجز أي مهمة بمفردك مع أن لديك كل الصلاحيات التي يمكن أن تحتاجها، كان يحدث نفسه فيما الهاتف يواصل الرنين. نعم محمد الأمين ماذا هناك الآن؟ قصد تلك " الآن " لأنه يعرف أن الأمر غير طبيعي، جاء الصوت من بعيد، سيدي الجنرال هناك مجموعة اشتبهنا في أمرها ، لكننا لم نستطع إمساكها، لقد اعتقدت أنها المجموعة المنتظرة، لكن يبدو الأمر غير ذلك، آلو ، آلو ..... يتقطع الصوت ثم يختفي محمد الامين من على شاشة السامسونج نوت 7 ،  الهاتف الذي تتصلون به خارج التغطية، جاء الرد واضحا جدا ، ماذا الآن أهذا وقته، يتصل بالهاتف اللاسلكي، ماذا! مغلق هو الآخر!، يرمي الهاتف بحنق فوق المقعد المجاور، أخذ الهاتف بسرعة، طرأت علي فكرة، إسمع أنت اصرف أولائك الشباب بأي شكل لا أريد لهم أثرا، لقد انشغلت قليلا و سأمر عليكم حالما أنتهي من موضوع طارئ.
أخذ يمرر إبهامه على شاشة الهاتف، يبحث عن رقم محدد، يتصل ، سلمى أنت في تفرغ زينة، جهزي الصالون أنا قادم، بعد لحظات يفتح الصالون ، رائحة عطر باريسي تستقبلك قبل أن تفتح باب تلك الشقة الموجودة في الطابق الثالث من شقق السالمية المفروشة في منطقة " أَهْ نُورْ ".
خرجت سيارة تويوتا يابانية تحمل خمسين عنصر شرطة مدججين بعدتهم القمعية، نزل القائد وبادر قائلا: اذهبوا من هنا ، لا نريد استعمال القوة الآن.
تتصل مريم، يتجاهلها المرة الأولى، تتصل مرة أخرى، يرد ، يأتيه صوت غاضب يسأل بعنف مبالغ فيه،  أين أنت؟، الضيوف يسألون عنك، ما الذي يجري؟، لم يرد، أنهى المكالمة، كم تجيد هذه الحية إفساد اللحظات المميزة، ينادي ، سلمى أين أنت ؟
يرن الهاتف من جديد، لم  يلتفت،  كم أنت مقرفة يا مريم ، يلعن في نفسه ، هذه الحية، يواصل الهاتف الرنين، يهم بقطع الإتصال، آه أنت أخيرا، جاءه صوت مبحوح ، ممزوج بهلع وخوف، سيدي لقد داهمتنا شرطة مكافحة المخدرات، عليك أن تتصرف، انتهت المكالمة فجأة يعيد الإتصال ، الهاتف مغلق، في نفس اللحظة ، اتصال آخر، يا لكم من جبناء، لا تستطيعون حل مشكلة لوحدكم، يرد دون إعطاء أي فرصة للمتصل للحديث ماهي المشكلة ، سيدي لقد فرقنا المتظاهرين بالقوة، أحدهم كسرت ذراعه، الآخر مغمى عليه و نقل الثالث إلى المستشفى و يبدو أنه.....ثم سكت.


الخميس، 28 يناير 2016

الخـــــــــــــــــــــــــلاص

هذه القصة منشورة في موقع ثقافات هنا





وقف في غرفته وحيدا ، شاخصا بناظريه باتجاه الصورة العتيقة ، المثبتة على جدار غرفته الشمالي، تثاءب ، تمطى، ثم قال ، لو وهبتني قوة أتغلب بها على عبادك المارقين ، الخارجين عن طاعتك لحوّلت هذه الأرض التعيسة الى جنة دنيوية، هبني قوة أقهرهم بها حتى يتبعون وحيك المقدس، ثم جثم على ركبتيه وأعاد نفس الدعاء حرفيا.
كان يرتدي " فانيلته " القديمة نفسها، إنها مباركة ، بل جزءا من طقوسه اليومية التي لا تتم بدونها. بعد إتمام الطقوس كانت الدموع تنهمر من عينيه خشوعا، عاد لنومه ففانيلته المقدسة تمكنه من نوم هادئ وفي رعاية الرب.
استيقظ مبكرا فمجموعة المارقين تحتاج لقوة جبارة تلك التي يستمدها من جسد الرب الواقف دوما في تلك الصورة المقدسة، مستعدا لتلبية نداء عبده الفقير الصالح.
الخطوة الأولى تتمثل في القضاء فكريا على معتقدات الفساق الوثنية، نهض، أخذ ورقة وقلم وخط بأنامله التي تقطر وحيا طازجا أول سطر في المسيرة العظيمة ( إليكم أيها الكفرة، اعلموا أنكم قد ضللتم وسلكتم طريق جهنم ، إني آت إليكم لأخلصكم من ربقة الشيطان الرجيم....فلتستعدوا إني قادم إليكم..)، ثم لف الورقة نصفين متساويين بطريقة طقوسية جميلة بانتظار بقية الوحي.
وضع الورقة خلف صورة الرب المعلقة على الجدار لتكتسي قدسية مضاعفة، وجلس يتأمل!، ثم أخذت أسئلة كثيرة تدور في رأسه ( كيف لهؤلاء أن يفتروا على الله؟ ، كيف لهم يا ربي أن يكذبوا عليك؟ ، اللهم ارزقني قوة كافية لأخلص عبادك المستضعفين، الظلم والقهر والتجبر، هل هذا معقول؟ ، ثم عدل من جلسته ونظر الى سماء غرفته الضيقة وجال بناظريه كثيرا كمن ينتظر شيئا، أخيرا أعاد النظر إلى الصورة ، إلى ربه المتمثل في تلك الصورة التي طالما أعانته بركتها، لقد اعتبرها ربا مخلصا منذ تلك اللحظة التاريخية التي لا تنسى، إنه يحتفظ بها لنفسه فهي علامة الرضى وهو شيء بينه وبين ربه.
عاد و أخذ الورقة وفتحها بهدوء تام كمن يحافظ على شيء بالي من التمزق عند أول لمسة، ثم أفرج عن ضحكة عريضة حتى بانت أسنان فكيه بشكل كامل، قال: تلك هي اللحظة المنتظرة، وبدأ يكتب ( تعرفون أن الرب لا يمكن أن يظلم ، إنه عادل تماما، لقد خلقنا لنعبده، لا أن يَعْبُد بعضنا بعضا، لقد قسمنا أشكالا وألوانا، ورسم لنا طريقا تقرب إليه، هكذا فهمت من ربي، فهل يمكن أن أكون مخطئا؟، أما هو فلا يخطئ، بل هو الصواب والصح بعينه، هذه أول الوصايا وستأتيكم البقية بالترتيب ولن تنقطع عنكم حتى تهتدوا، إني أخشى أن يصيبكم غضبٌ من ربكم بسبب افتراءكم وكذبكم).
أعاد الورقة خلف الصورة لتكتسب قدسية إضافية، فهي موجهة لقوم لا يفقهون. بعد وقت وجيز أخذ الورقة وفتحها بالطريقة عينها، وأعاد قراءتها بهدوء تام ، وعينيه يشع منهما بريق مضيئ انعكس عليهما من النور الذي ينبعث من الورقة بين يديه. انتهى من القراءة ، طوى الورقة ، ثم جلب ظرفا أنيقا ووضعها داخله بعناية شديدة وكتب عليه، إلى عباد الله الضالين،،،إليكم الخلاص وكتب على وجه الظرف الآخر " العبد الصالح ".
نزل السلم بهدوء ، بعث الرسالة عبر البريد، ثم عاد ، جلس في غرفته منتظرا ردة الفعل التي ستحدثها تلك الرسالة المقدسة. كانت جريدة " الضمير الحي" الوحيدة التي تصدر في اليوم الموالي، لقد اختارها عن قصد، هي الأكثر قراءة، والأكثر نضجا والأكثر توزيعا في الأماكن حيث يكثر الظلم باسم الله ، البريء طبعا من كل ما ينسب إليه زورا وبهتانا.
أزاح نظارته السميكة ، وضعها على منضدة الكتب بجانبه، بدأ يفرك عينيه الدامعتين باستمرار، يتمنى في أعماق نفسه أن تكون خطوة موفقة تلك التي بدأ بها مسيرة الخلاص، أو مسيرة النقاء كما يحلو له أن يسميها.
فتح نافذته المطلة على الشارع العام كعادته كل صباح ، أغلق النافذة ، خرج ووقف في الشرفة، هناك ضجيج قوي آت من بعيد، استمع بإنصات شديد، بدأ الصوت يقترب شيئا فشيئا، والكلمات تأخذ طريقها إلى مسامعه بشكل أوضح، ثم انبثقت جموع هائلة كالموج من الجهة المقابلة له تماما، كان الناس يحملون صورا مكبرة لم تكن من القرب بحيث يتبينها، لكن الكلمات تقول، أقتلوا الكافر ، اقتلوا الزنديق، نحن أهل الحق، انت الضال الفاسق، دلف إلى الداخل ، أغلق باب غرفته المطل على الشرفة بإحكام شديد وجثم أمام تلك الصورة وقال: يا رب لقد بدأت المعركة فانصرني على القوم الضالين، انت القوي، انت القادر، اني أتخيل صورتك النقية التي تجلت لنبيك الكليم ليتغلب على أعداء الإيمان.

الأحد، 16 أغسطس 2015

جَـــــهَنَّـــْم




كان كل هذا الحديث يدور وشخص رابع أشيب اللحية ينظر بتعجب، ثم يبتسم دون كلام، يبدو ذلك من ملامح وجهه الذي تنقبض عضلاته وتنبسط بسلاسة ، كنت أتحفظ منه فالرائحة المنبعثة منه غير مشجعة البتة ، بل تبعث على الاشمئزاز ، كان يرتدي قميصا أزرق ويضع نظارة شمسية أخفت لون عينيه التين لاشك أنها حمراوين وغائرتين وبلحية بيضاء كثة بحاجة لعناية خاصة ، فجأة دون مقدمة قال، إسمع ، لقد أتعبتنا بهاتفك القديم البالي، عليك أن تعيده إلى جيبك لأن هاتفي - هذا ثم عرض في سرعة البرق هاتفا أسود اللون ، مختفي الملامح ، تظهر عليه علامات القدم به لاقط طويل – يمكن أن أستبدله بخمسة هواتف من نوع هاتفك ، فلا تتعبنا ، عليك أن تستغفر الله ، وتستثمر كلامك الفارغ في الدعوة إلى الله ، إنكم غافلون للأسف الشديد ، ثم أخرج سبحة طويلة وبدأت حباتها تتساقط فوق بعضها مصدرة أصواتا خافتة ومتتالية وهو يقول ، إلى جهنم وبئس المصير.
 انسل خارجا بهدوء ، ثم قال، استودعك الله، وفي ذات الوقت كان ينظر بإمعان  إلى هاتفه "  النوكيا " نظرة إعجاب، وابتسامة زهو تعلو محياه، لقد شعر بفخر لا يوصف وهو يقدم هاتفه للركاب بتفصيل ممل جعل الجالس بجانبه الأيسر يلتفت يسارا ويغمز بعينه نكاية فيه.
قال وهو يخرجه بالكامل بعد أن لمح الجالس يمينه يسرق النظر إليه، هل تريد أن تتفحصه؟ خذ ، انظر إليه جيدا، سأحكي لك كل التفاصيل المتعلقة به، ثم التفت إلي وكأنني كنت أسأله، أتعرف هذا النوع من الهواتف الذي يزن حوالي ربع كلغ؟  ، أجبت بالنفي بحركة خفيفة برأسي، تعبر أيضا عن عدم اكتراث.
قال : إنه هاتف من نوع نوكيا ، قديم  لكنه أصلي ، ألا يعجبك شكله، يسألني مرة أخرى؟ لم ينتظر جوابا بل أردف، إنه يحتوي على بطاقة ذاكرة ، وبشريحتين ويمكن أن تستبدل بطاريته ببطارية هاتف نوكيا من النوع العادي ، ثم قال ، إنه هاتف رائع حقا ، لكن الأروع من ذلك أنه يشغل الأقراص الخارجية (فلاش) ثم إنه يلتقط بث القنوات الإذاعية على "  الأف أم ".

الأحد، 15 سبتمبر 2013

قصة قصيرة : غرفة بلا ضمير


بناية شاهقة، تتوسط العديد من البنايات المتشابهة، لكنها تتميز بلون واجهتها الجنوبية المطلية حديثا بالأصفر ، لقد أعطيت هذا  اللون عن قصد  حتى تأخذ شكلا أنيقا وفخما يبرزها بشكل خاص. دلفت من الباب الخارجي للعمارة، كانت كل الدلائل تشير إلى فخامة نادرة وأناقة صينية من آخر تصميم لمهندس بارع.
صورة تخدم النص
كانت غرفة التحريرفي الدور الخامس، فسيحة جدا و مريحة، تتوسطها منضدة بيضوية الشكل بطول الغرفة تقريبا، ومن صنع إيطالي، الكراسي تتناثر هنا وهناك بجانب المنضدة، موضوعة بشكل غير مرتب ، وكانت أيضا بأشكال مختلفة. هناك إحدى عشر شخص يتوزعون بشكل غريب، وكأنها طريقة طقوسية خاصة، كل اثنين متجاورين، يتناجيان في أمر ما، وتصدر عنهم ابتسامات باهتة و مبهمة بين لحظة وأخرى، جدران الغرفة من وراء ظهورهم لا تتوفر على أي زخرفة، صامتة، بل ميتة ، تماما كما تركها صاحب الطلاء، كنت قد تلقيت دعوة لمقابلة صديق قديم ، إنه "عمر" ، هو رئيس التحرير بذاته ، لقد تغير بعدي تماما، ولكن أنفه المدبب لا يزال كما هو، كما أن شاربه العلوي احتفظ بنفس الهيئة دون تغيير مطلقا، أما لحيته وكالعادة فكيوم ولدته أمه، هكذا كان يمزح معي عندما نتقابل، يمرر يده عليها ويقول لي، ستكون هكذا دائما كما ولدتني أمي. ما تغير به فقط هو وجنتيه التين انتفختا قليلا بعد أن كانتا غائرتين، كما أن بشرته الأريترية صارت أكثر نضارة أما لون شعره فلا زال يحتفظ بطبيعته.
كؤوس الشاي تدور علينا بشكل سريع جدا، الكل منتشي ، آخر كأس صنعه لنا محمد أثار حالة النشوة هذه، مال علي أحد الموجودين وقال بشكل مازح، محمدٌ هذا متخصص في صنع الشاي بشكل لا يوصف، لكن المزحة لم تعجبه فهو يعتبرني غريب يجب ألا تفشى له الاسرار. أشار صديقي رئيس التحرير لمحمد أن كفى، أو أن اخرج، ثم تنحنح قليلا ليهيئ  الحضور لتلقى التوجيهات الصباحية والملاحظات المسجلة، عدل من هيئته، ثم حرك جهاز الآيباد قليلا بين يديه كأنه يتباهى به وابتسم بهدوء شديد. بذلته تركية الطراز، غاية في الأناقة، ساعته سويسرية فاخرة، ينظر إليها بين الفينة والأخرى. قال بشكل جاد ، أنتما الجالسان هناك في الطرف، لم تنفذا عملكما ليوم أمس بالشكل المطلوب، و أنت أيضا- أحد الجالسين بجانبه- ، أما أنتم الباقون فلا بأس بكم، لكن أريد أن تتذكروا دائما ما سأقول، لا أريد أن يشاهد أحدكم أي موضوع أو خبر جديد في أي موقع منافس إلا و أخذه وصاغه  بشكل مختلف بحيث نكون نحن أول من جاء به، وتعرفون جميعا أنني لا أريد أي إشارة من قريب أو بعيد لهذا الموقع، ثم غمز بعينه مع ابتسامة مفتعلة وقال : ملاحظة أخيرة، ثم سكت، ربما انتبه إلى وجودي وكانت الملاحظة ذات وقع خاص أحب تأجيلها، التفت إلي مداعبا ، هذا هو عملنا يا صديقي، جو إعلامي مشحون كما تعلم ، يتوجب عليك أن تخلق الخبر من لا شيء، التنافس على أشده، وهكذا فقط سنبقى المتصدرين كأعلى جريدة مبيعا وموقعا أكثر متصفحين على الإطلاق.

كان الشخص الحادي عشر موظفا جديدا تمت الاستعانة به نتيجة قوة المنافسة، لعله يضيف قيمة مضافة تحافظ على تصدر المؤسسة لوسائل الإعلام المحلية، لكن يبدو أنه لم يندمج بعد في جو العمل، لذلك ستكون له حصة منفردة من التعليمات. طلبني صديقي إلى غرفة خاصة، ثم دعا الشخص الحادي عشر، قال له ، إسمع، أولا ، لا نريد أخطاء لغوية، لا إشارة لأي موقع في مؤسستنا مهما نقلت عنه من أخبار – هم يفعلون نفس الشيء معنا- ، لا تنتقد الحكومة مطلقا، ثم لا تنتقد شركات الإتصال أيضا، أما الجيش فخط أحمر، والرئيس لا تذكره إلا بكلمة مديح أو شكر ، هذه هي المهنة يا صديقي، أن نحافظ على رموزنا الوطنية والسيادية هو عمل صالح، أليس كذلك؟ ، لم أجب بكلمة واحدة. في نفس اللحظة رن هاتف صديقي، أشار إلي بيده لأسكت، إنه الوزير وأفرج عن ابتسامة عريضة أظهرت لأول مرة أسنانه المتراصة  بعضها فوق بعض، لم تكد تلك الابتسامة تكتمل حتى تحول وجه صديقي إلى الضد تماما، ماذا تقول سيادة الوزير؟ إساءة لكم شخصيا في موقعي أنا ! هل هذا يعقل ! ، سوف أتصرف حالا، سأحذف الخبر وأحذف من وضعه أيضا، أبشروا سيدي الوزير وتقبلوا اعتذاري مقدما، أزبد وأرغد، ثم توارى خلف باب غرفة التحرير. بعد برهة خرج إلي ، لا يزال لونه ممتقعا، قال لي لقد فصلته ، وبالمناسبة هذا ما كنت أريد أن أحدثك بشأنه، نريدك أن تعمل معنا في المؤسسة لما لا حظت من نبل فيك ومثابرة، لكنني قلت على عجل ودون أن أترك له مجالا ليكمل، أنا لا أعمل في غرفة بلا ضمير وأوصدت الباب خلفي بكل ما أوتيت من قوة.     

الثلاثاء، 14 مايو 2013

قصة قصيرة بعنوان : لَسْتَ رَجُلاً



لَسْتَ رَجُلاً
في تلك اللحظة الهادئة، اجتاحني ذلك الشعور المفاجئ، لم تكن لحظة مناسبة شيئا ما ، كانت مليئة بالتأمل ، لحظة لا وعي، سبات عميق ، شعور لا إرادي مبهر، كنت استحضر لحظات حاسمة مررت بها إبان تجربة فاشلة ،قاسية،لا أعرف كيف اقتحم ذلك الشعور المقيت سكوني النادر ذاك و في فترة خواء شعوري فريدة.
 استجمعت كل قواي العاطفية و كلماتي اللطيفة، الساحرة، رتبتها في ذهني بعناية، انتظر اللحظة المناسبة لانقض عليها في وقت لا تملك فيها مناعة ضد شعوري الجارف، لكن تلك اللحظة لم تحن، على الأقل في ذلك التوقت المشهود، أو ربما لم أجد القوة الكافية. لقد قال زميلي إني أضعف في اللحظات المناسبة دائما، وهكذا تفوتني الفرصة باستمرار، لقد قال لي ذات مرة ، أنت مستودع الكلمات العاطفية لأنك لا تقدر على البوح بها أبدا، لقد جرحني بعمق، في رجولتي، في كرامتي كعاشق.
قررت أن أدخل في تلك العملية الانتحارية اللطيفة، انتظرت كالعادة على قارعة الطريق الأبدي الاعتيادي، مركزا على الاتجاه الذي سيطلع منه البدر، إنه بدر الصباح الباكر، المارة يرمقونني بنظرات باردة وغريبة، قلت في نفسي لعلهم لاحظوا وجودي في هذا المكان باستمرار، تجاهلتهم وركزت ناظري في اتجاه الشروق  بثبات لا يلين، أكاد لا ترمش عيناي، لقد حزمت أمري ، سأمطرها بمكنونات قلبي التي باتت تأرقنى.

الثلاثاء، 7 مايو 2013

قصة قصيرة بعنوان : مدير كبير بالوزارة



من جوجل
فتح محمد سالم الباب صباحا وهو يردد عبارته الأبدية "سبحان الله ،سبحان الله ....." ، الساعة تشير إلى الثامنة والنصف، يرتدي قميص أحمر فاتح، بنطلون أخضر عركته السنين، على ما يبدو، عمامة تتدلى منها قطعة على ظهره علامة خاصة بنوع من المتدينين الورعين، ولحية كثة غير ممشطة تتخللها شعرات شيب قليلة جدا، يبدو نحيلا نوعا ما، منظره العام يفرض عليك احترمه ، فهو من رواد المساجد و علامة الصلاة بادية على جبهته تنحسر عنها العمامة قليلا كأنه يفتخر بها، نظر إلي بوجهه النحيل وقال لي باسما: ماذا تفعل هنا في هذا الوقت بني؟ وأردف ، السيد المدير لن يأتي الآن، سيذهب بأبنائه إلى المدرسة ومن ثم يعود للبيت ليستحم قبل أن يمر بزوجته الثانية، لكنه استدرك بشكل مثير، قائلا ، استحلفك بالله لا تذكر الكلمة الأخيرة لأحد ، خاصة السيد المدير، لقد أوصاني بكتمان هذا الأمر، إنه يثق في كثيرا وإذا سمع بالأمر سينقطع رزقي، بادرته قائلا، الرزق عند الله، وأنت لاشك تدرك ذلك، ولكن اطمئن من هذه الناحية، هذا لا يهمني. رجع له شكله الطبيعي وقال بنبرة عادية خالية من الفزع، هل تبحث عن عمل؟، أشرت برأسي أنْ نعم، قال ، سأكلمه لك ،ثق بي، اعتبر نفسك حصلت على عمل منذ الآن، أنا مخزن سره، لا يرد لي طلب، لقد توسطت لقريب عندي وعينه على أملاكه الخاصة، ولكنه استقال منذ فترة قصيرة ، ولم يقل لي السبب. بعد ساعتين من الانتظار أقبل السيد المدير بجسمه الممتلئ ووجهه المستدير، بشنب مفتول إلى الأطراف، يضع نظارات فوق أنفه الطويل قليلا، تظهر عليه الراحة بكرشه البارز إلى الأمام وعجزيه الذين يرتفعان وينخفضان بوضوح شديد عندما يسير، رأسه أصلع نظيف إلا من شعيرات قليلة فوق أذنيه الصغيرتين، نظر إلي شزراً، أقف ملاصقا لباب مكتبه، ومحمد سالم ينظر إلي باهتمام زائد، كأنه يحذرني من زلة لسان قد تقطع رزقه الوحيد، لم يقل لي كلمة واحدة، ولم أتكلم بدوري، دلف إلى داخل مكتبه، ينادي محمد سالم من خلال موسيقى الباب القوية، انسل بهدوء و أغلق الباب خلفه بإحكام، حتى لا أسمع ما يدور بينهما من أسرار، يبدو أنه لم يتلق الاتصال الخاص بي المتعلق بهذه الوظيفة، أكاد في مكاني أن أجزم بتفاصيل الحديث الدائر بينهما. بعد دقائق خرج محمد – لقد اعتاد الزوار مناداته بهذا الاسم اختصارا لمحمد سالم- ورمقني بعينيه الصفراوين وقال: لقد أخبرته عنك ولكنه الآن مشغول ببعض الأعمال، ثم أردف متوسلا، أرجو أن تحتفظ بما دار بينا من أسرار عن و أشار بإبهام يده اليسرى إلى قفاه إلى الباب، فهمت القصد وهززت رأسي بالموافقة وهممت بالانصراف، أطل المدير بكرشه المنفوخ الذي يتقدمه ببضع سنتيمترات وأنفه الطويل وكأن الله خلقه بهذا الطول ليجذب القدر الكافي من الأكسجين لهذا الكرش، أشار إلي أنْ تعالْ، أغلقنا الباب خلفنا، مكتب فسيح وفرش ناعم ، أربعة مقاعد جلود من الطراز الرفيع ومكتب إيطالي فخم أمامه منضدة زجاجية عليها عصائر باردة وحلوة المذاق، جهاز كمبيوتر شخصي وآخر خاص بالمكتب، أوراق مبعثرة فوق المكتب، استطعت أن أميز مجلة فرنسية، على غلافها صور بدت خليعة نوعا ما، وقف كمن يريد أخذ شيء ما وأزال المجلة بهدوء تام، وأردف ليشتت انتباهي عن الأمر، تفضل بني كلي آذان صاغية، هل أعرفك؟ صدمت قليلا، فالاتصال الذي انتظرت لم يحدث، قلت بعد أن لملمت شتات أفكاري، وبتأن مبالغ فيه حتي لا يظهر ضعفي أمامه، شكرا لكم سيادة المدير على الإستقبال -  ابتسم بامتنان لتسفر ابتسامته عن أسنان متراصة ونظيفة جدا- ، أنا متخرج من سوريا في إدارة الأعمال، كنت قد ذهبت هناك بمنحة من الدولة، وللأسف لم أحصل على عمل منذ عدت قبل سبعة أشهر إلا أسبوع تحديدا، فعلت وجهه ابتسامة خفيفة، ربما إعجابا بدقتي في تحديد التاريخ، لقد دلني عليكم زميل لي، قال إنكم تهتمون بالشباب خاصة، ثم سكتتُّ.
تحرك قليلا في مقعده وبدا مزهوا بهذه الشهادة المجانية، الكاذبة، كما علمت بعد ذلك من خلال عملي، كان يعرف أنه لا يقدم خدمة إلا للنساء الجميلات، لقد لمح لي البواب عن ذلك ولكنه كان كل مرة يشر فيها للأمر يعود لتسبيحه وتحميده كمن يكفر عن أمر ما، قال لي محمد سالم باستغراب سيادة المدير لا يحب إلا العطور النسائية الفاخرة، سمعته أكثر من مرة يتصل ويقول لإحداهن هل اشتريت الملحفة الفلانية إنها جميلة عليك ، أريد أن أراك وقد ارتديتها، وحبذا لو زرتني في المكتب. كان ذلك أول قدوم لسيدة إلى هذا المكان، كانت جميلة جدا، استغفر الله، ملحفتها كذلك من نوع غالي، استغفر الله، عطرها بقي في المكتب حتى المساء، استغفر الله، ثم أردف باهتمام كبير وتعجب! إنهن بنات الليل والعياذ بالله، اللهم لا تأخذني بذنب غيري يا أرحم الراحمين!، قال لي بعد أنْ اطمأن إلي، مدير حقير يستغل منصبه لجلب النساء والعبث معهن، أقسم أني سمعت في بعض الأحيان أصوات غريبة تنبعث من هذا خلف هذا الباب، ثم ينظر إلى السماء كمن يعتذر من الله ، رافعا يديه، اللهم إني ليس لي من باب رزق إلا هذا فلا تعذبني بجرم غيري، ويضيف ، ثم تخرج إحداهن راضية بما غنمت من فحل رجال يترك زوجته في البيت معتقدة بعفة زوجها الذي لا تذكر أبدا أن سبحته الطويلة فارقت يده ولو لمرة واحدة، كما لا يمكن نسيان سجادته التي يضعها بجانبه دائما، ليصلي عليها صلاة العصر في مكتبه الفخم.
قلت أريد منكم سيادة المدير توفير وظيفة ما ،تتماشى مع تخصصي، فأنا الأكبر من بين أسرة منهكة تتألف من أربع بنات وثلاث إخوة مات عنهم أبوهم وتركهم في عهدتي، فكر طويلا، ثم كمن تذكر شيئا وقال: ما رأيك بإدارة بعض أملاكي، فعمل الإدارة يشغلني عنها والناس غير مأمونة الجانب، هي كلها ثلاث عمارات من أربع طوابق في تفرغ زينة، وعشرة حوانيت قرب سوق العاصمة، وخمسة شاحنات نقل كبيرة، وعشرة سيارات أجرة وأشياء أخرى متفرقة ليست ذات أهمية أطلعك عليها في حينها، جحظت عيناي و فغرت فمي مأخوذا ووجدتني في عالم غير محسوس، أنا الفقير المعدم أصبح بين عشية وضحاها مديرا لكل هذه الممتلكات، لكزني بلطف قائلا ما لك شردت هكذا؟ أسمعت ما قلت لك؟، أفقت من الحلم الحقيقي وقلت نعم سمعته كله، أرجو من الله نجاحي في هذه المهمة وأن أكون عند حسن ظنك، قال، انتظر، ما عليك فعله فقط هو تقديم الحسابات مع نهاية كل شهر وأنا أنقدك مرتبك اتفقنا ، أجبت بالموافقة رغم أننا لم نتفق بعد على المرتب، قال كالمستدرك، مرتبك سيكون- ثم سكت كمن يريد استفزازي- سيكون ثلاث مائة ألف أوقية،عقدت المفاجئة لساني ، مبلغ كبير كهذا يكون راتبي أنا الذي لم أتقاضى فلسا يوما ما كمرتب!؟ ، انفتحت أساريري وغبت مرة أخرى في أحلام أخذتني بعيدا جدا، إلى أشياء لم أكن أفكر فيها ، زوجة وأولاد ومنزل جميل فاخر، سيارة حديثة والكثير من الأموال، شكرته كثيرا فابتسم كالمنتصر لتفرج عن أسنان جميلة متراصة  ونظيفة كأنها مصنوعة بإتقان. قال مودعا نتقابل بعد نهاية الدوام لتوقيع العقد وهذه خمسة آلاف أوقية مساعدة مني لمن أصبح مدير أعمالي لكي تعلم أنني لست بخيلا مع الرجال، فقلت في سري ومع النساء كذلك. كانت لدي في جيبي الخلفي خمس مائة أوقية، أخرجتها عند باب المكتب وسلمتها للبواب محمد سالم الذي ما زال يكرر كلماته السرمدية ،سبحان الله ،سبحان الله.... أومأ برأسه شاكرا، لم يستفسر مني عن الأمر، هو صديق المدير الحميم وكاتم سره سيخبره بالتفاصيل، نظرت في ساعة معصمي التي تشير إلى العشرة إلا ربعا، ثم أخرجت هاتفي لأتصل على أمي وكذلك على هدي المنهكة من الانتظار. في نفس اللحظة مرت بي سيدة أنيقة جدا عطرها من النوع الغالي الثمن ، عطر النجمات السوريات الفاتنات اللائي حضرت حفلاتهن الماجنة الصاخبة لما كنت في الجامعة، لقد استهوتني أنا نفسي، ولم لا؟، لقد أصبحتْ لدي وظيفة وأستطيع الطمع في من أريد، تركت ذلك الخاطر يمر دون تركيز ، هدى تنتظرني بفارغ الصبر، لقد وعدتها بالزواج في أول فرصة عمل أحصل عليها هي التي طالما انتظرتني وصبرت علي في أيام الشدة، وحان الوقت لأمتعها وأحسن إليها كما أحسنت إلي. عدت في مساء نفس اليوم لتوقيع العقد، وتم كل شيء بسرعة وبنجاح مبهر ومحير، استلمت عملي في غضون أسبوع وبدأت تطبيق دروسي النظرية في إدارة الأعمال وكان كل شيء جميل وناجح. ذات يوم سألني المدير سؤالا غريبا، ومفاجئا، قال دون مقدمات: هل تزوجت، أطرقت دون جواب، إنه في عمر والدي ، عليَّ احترامه، عاداتي لا تسمح بقول هذا الشيء في حضرة من يكبرني، استمريت مطرقا دون جواب، ألح علي بالسؤال، فأومأت برأسي أن نعم، وعيني شاخصتين إلى الأرض كمن يفحص شيئا ما بعناية، لم يتركني في حالي فهو مجنون بكل ما له علاقة بالنساء، أقسم علي أن نزوره في المكتب أنا وزوجتي هدى، لم أفهم سبب الدعوة إلا أنني رضخت في النهاية فهو مصدر دخلي الوحيد، وأدركت حينها سبب بقاء محمد سالم إلى هذا الوقت في عمله، اصطحبت معي هدي يوم الأربعاء صباحا في طريقي لعملي في وسط العاصمة ، كنت قد اتصلت عليه هاتفيا لأخبره عن قدومي، تفاجأت بالمكتب في غاية النظافة ورائحة عطر نسائي تفوح منه، دلفنا فالتفتت إلي هدى كالمستفسرة عن سبب هذا العطر، لم أتجاوب مع نظراتها المستفسرة، سلم علينا بعناية فائقة خاصة هدي التي خصها بسلام حار وعميق فهي زوجة مدير أعماله . لم أعتقد لحظة أنه سيفكر بانحراف، طردت تلك الأفكار من رأسي في الحال، بعد حوالي عشرين دقيقة غادرنا المكتب، أثناء لقائنا سلم هدى بطاقته الشخصية معربا عن استعداده للمساعدة في أي وقت، كان لقاءً وديا وطبيعيا، تميز بالأريحية و المجاملة. بعد فترة من ذلك اللقاء طلبني في مكتبه لأمر هام، قال بكل وضوح وهو واقف أمامي مباشرة وبنبرة جدية ملحوظة، أحمد أريدك أن تطلق هدى، سألته باستغراب كأنني لم أسمع ما قال، ماذا تقول؟، كرر العبارة بهدوء تام قاتل، أريدك أن تطلق هدى، كان في هذا الوقت يمط شفتيه كالمتأهب لهجوم ما، قلت: لكن لماذا؟ أنت تعرف أنني أحبها ! قال: أريد أن أتزوجها.                              

رأيكم يهمني

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

blogtopsites'