السبت، 21 مارس 2020

أَهلْ كُمْبَتَاهْ -صَبَاحَهْ


... وكُنَّ سيدات ستينيات، هكذا قدرت أعمارهن - مع أنه يُقال أنه من الصعب تقدير عمر السيدة - يتمايلن بفعل مرض التهاب المفاصل الشائع عند من في سنهن، يرتدين ملاحف، في الغالب سوداء أو غامقة اللون، لديهن مسحة تدين زائفة، لستُ هنا بوارد ذكر بوائقهن المثيرة، تسابيحهن حفرت آثارها في أرصاغهن الممتلئة، أجسادهن لا تكاد تستقيم، يميل الجزء العلوي إلى الأمام قليلا، من الرأس حتى أسفل الظهر، إلا أردافهن البارزة للخلف بشكل مبالغ فيه، في الحقيقة إن تلك الأرداف علامة مميزة لهن، فتضفي عليهن أشكالا غريبة، مُشكَّلات قوسا غير مكتمل حين تنظر لاحداهن من الرأس إلى القدمين. إحداهن تضع نظارة سوداء رخيصة، تلتصق بعينيها بشكل عجيب؛ بحيث يبدو حاجبيها الناتئين البارزين، كأنهما مظلتين على بئرتي النظارتين، قال صديقي المشاكس بسخريته الدائمة، وعطفا على هذه الملاحظة؛ يا للعجب، لديها مظلتان فوق نظارتيها الأبديتين، مالفائدة منهما إذا، حاجبيها يقومان بالمهمة؟!.
... لحظات، ضربة دفٍ هائلة من النوع الذي يهتز له قلبك، سيدتان على اليمين، اثنتان على الشمال، يبدو أنه أخذ شكله النهائي الجاهز للضرب المبرح. لا يمكن أن تكون تلك الضربة المزلزلة إلا للسيدة (... )، إنها حكاية أخرى، شارباها متدليان، يتدلى الأسفل منهما بشكل مبالغ فيه، تظهر وكأنها غاضبة أبدا، لا ترتدي أي قميص تحت ملحفتها، ليبدو جسمها الضئيل بمجرد أن ترفع إحدى يديها بمطرقة الطبل اليابسة، رأسها قليل الشعر، أشيب، تتقن مهنتها بعناية فائقة، لا تنفك تردد عبارات غير مفهومة، في خصام مع مجهول، حتى وهي لا تضرب الطبل. لا طعم و لاروح لأي عُرس لم تضرب فيه الطبل بيديها اليابستين المقشرتين، كسمكتين يابستين.
دائرة من نسوة سمروات، تبدو أعين أغلبهن غائرة، حمراء كالدم، تخلو وجوههن من أي مساحيق تجميل، فقط مجرد كحل بعيونهن يزيد أهدابهن سوادا، يتمايلن، تصدر أكفهن الجافة تصفيقا متناغما، حادا وجميلا، ترتمي أثدائهن إلى الأمام عند التمايل، لم تكن الصدريات شائعة الاستخدام حينها. تبدأ الأمسية بشبه هيللة، لكنها ليست كذلك، يقلن بعبارات غير مفهومة، حتى للسامع؛ (أَهَييْ أَيَّ هَاهْ) يكررنها مرات، بتناسق عجيب مع تصفيقهن.
 كان وقع الطرق على " الطبل" مميزا جدا، هكذا؛ ضربة أولى، ثم ثانية قبل اكتمال صدى الأولى ، و كأنها جاءت لتنهي الصدى بشكل كامل، ثم ثلاث ضرباب متتالية، كفيلة بجعل ذلك العجوز النحيل يقفز من فراشه، ينفض لثامه بطريقة مميزة مصدرا صوتا مثل طلقة رصاص من بعيد. يحمل فوق فيه شاربا معدا بشكل يليق بعجوز غير منظم، إنه في شكل شريط، قصير نوع ما بحيث يبدو كشارب هتلر.
كان - رحمه الله - مميزا في كل شيء، يرتدي - غالبا - قميصا ذا أزرار، وسروال "تشاية" أسود من توبيت، وحذاء من " الصمَّارة"، يزين منكبه بلثامه المطوي إلى حجم متر، أو حين يكوره ليضعه فوق رأسه في أيام الحر، أو حين يريد وضع خنشة اسمنت أو أرز فوق رأسه، أدوات التدخين خاصته محتلة على الدوام جيب قميصه المزرر فوق صدره مباشرة (بريكه، اعظم، بيت مليء بامنيجه وسُرّة إضافيه احتياطية في منديل أسود )
كان - يرحمه الله - صاحب صرخة عظيمة مجلجلة، بمجرد أن يأخذ مكانه في " المرجع"؛ يقف نصف وقفة، أعلى قليلا من وضع الركوع، أو لنقل ركوع من به علة بظهره، يمسك ركبتيه براحتي يديه، ثم يملأ رئتيه بالهواء ليقذفه بقوة مجلجبة مصدر تلك الصرخة الجميلة، يبدأ قفزاته الدائرية مثل الكنغر، حتى تتوالى التصفيقات بالطريقة المنظمة إياها، متبوعة بزغاريد لا تنتهي. يرفع ذراعيه الممدودين بشكل أفقي بالتساوي كجناحي غراب في وضع الطيران الحر، حين يفردها للاستراحة، يرفع رجله اليمنى في ذات الوقت، ثم تبدأ القفزات بآلية عجيبة، وبرغم اعتيادنا عليها، فنحن لا نمل من التسابق و الاصطفاف خلف النسوة مشرئبي الأعناق للمشاهدة.
لا تنتهي متعة الرقص الإيقاعي هنا، يكتمل المشهد حين تقفز تلك السيدة العجيبة، نحيلة أيضا ومدخنة شرهة، تضع نظارات طبية ذات حواف زرقاء، جميلة أيضاً، ربما تضفي نظارتها الطبية مسحة جمال إضافية، ترفع جناحيها ممسكة ملحفتها بكلتا يديها، بحيث تبدو منتفخة من منطقة الخصر، من الجانبين، ثم تقلد العجوز، في قفزاته، لكنها تصدر أصواتا مختلفة، فحين يصيح العجوز صيحته المعتادة " يزقط، كما يُقال"، تصدر هي فحيحا أو " مزمزة" متتالية، وقد تقول بتتابع موزون؛ ( أَيْ، أَيْ) مرة واحدة بفواصل بجزء من الثانية، ثم ثنائيات  ( أَيْ أَيْ- أَيْ أَيْ)  متتالية دون فواصل،  هنا تترك ملحفتها لتعود لوضعها الطبيعي، لتصدر عن يديها تصفيقات ثنائية متناغمة، يتبعها ما يشبه فحيحا متواصلا (أشششششش) تماما مثل تسرب الريح من خرطوم نفخ إطارات السيارة " ميشلان ".
أَهلْ كُمْبَتَاهْ ؛ نسوة عجيبات، لا يتعبن من تكرار نفس الأداء، فقد يقمن به مساء، ثم في فجر نفس اليوم، أو ما نسميه نحن ب " صَبَاحَهْ"، حيث تنطلق الرابعة فجرا ولا تنتهي إلا بعد صلاة الفجر، إنهن سيدات أكلهن الدهر، وبقيت ذكراهن مجلجلة.

... وكُنَّ سيدات ستينيات، هكذا قدرت أعمارهن - مع أنه يُقال أنه من الصعب تقدير عمر السيدة - يتمايلن بفعل مرض التهاب المفاصل الشائع عند من في سنهن، يرتدين ملاحف، في الغالب سوداء أو غامقة اللون، لديهن مسحة تدين زائفة، لستُ هنا بوارد ذكر بوائقهن المثيرة، تسابيحهن حفرت آثارها في أرصاغهن الممتلئة، أجسادهن لا تكاد تستقيم، يميل الجزء العلوي إلى الأمام قليلا، من الرأس حتى أسفل الظهر، إلا أردافهن البارزة للخلف بشكل مبالغ فيه، في الحقيقة إن تلك الأرداف علامة مميزة لهن، فتضفي عليهن أشكالا غريبة، مُشكَّلات قوسا غير مكتمل حين تنظر لاحداهن من الرأس إلى القدمين. إحداهن تضع نظارة سوداء رخيصة، تلتصق بعينيها بشكل عجيب؛ بحيث يبدو حاجبيها الناتئين البارزين، كأنهما مظلتين على بئرتي النظارتين، قال صديقي المشاكس بسخريته الدائمة، وعطفا على هذه الملاحظة؛ يا للعجب، لديها مظلتان فوق نظارتيها الأبديتين، مالفائدة منهما إذا، حاجبيها يقومان بالمهمة؟!.
... لحظات، ضربة دفٍ هائلة من النوع الذي يهتز له قلبك، سيدتان على اليمين، اثنتان على الشمال، يبدو أنه أخذ شكله النهائي الجاهز للضرب المبرح. لا يمكن أن تكون تلك الضربة المزلزلة إلا للسيدة (... )، إنها حكاية أخرى، شارباها متدليان، يتدلى الأسفل منهما بشكل مبالغ فيه، تظهر وكأنها غاضبة أبدا، لا ترتدي أي قميص تحت ملحفتها، ليبدو جسمها الضئيل بمجرد أن ترفع إحدى يديها بمطرقة الطبل اليابسة، رأسها قليل الشعر، أشيب، تتقن مهنتها بعناية فائقة، لا تنفك تردد عبارات غير مفهومة، في خصام مع مجهول، حتى وهي لا تضرب الطبل. لا طعم و لاروح لأي عُرس لم تضرب فيه الطبل بيديها اليابستين المقشرتين، كسمكتين يابستين.
دائرة من نسوة سمروات، تبدو أعين أغلبهن غائرة، حمراء كالدم، تخلو وجوههن من أي مساحيق تجميل، فقط مجرد كحل بعيونهن يزيد أهدابهن سوادا، يتمايلن، تصدر أكفهن الجافة تصفيقا متناغما، حادا وجميلا، ترتمي أثدائهن إلى الأمام عند التمايل، لم تكن الصدريات شائعة الاستخدام حينها. تبدأ الأمسية بشبه هيللة، لكنها ليست كذلك، يقلن بعبارات غير مفهومة، حتى للسامع؛ (أَهَييْ أَيَّ هَاهْ) يكررنها مرات، بتناسق عجيب مع تصفيقهن.
 كان وقع الطرق على " الطبل" مميزا جدا، هكذا؛ ضربة أولى، ثم ثانية قبل اكتمال صدى الأولى ، و كأنها جاءت لتنهي الصدى بشكل كامل، ثم ثلاث ضرباب متتالية، كفيلة بجعل ذلك العجوز النحيل يقفز من فراشه، ينفض لثامه بطريقة مميزة مصدرا صوتا مثل طلقة رصاص من بعيد. يحمل فوق فيه شاربا معدا بشكل يليق بعجوز غير منظم، إنه في شكل شريط، قصير نوع ما بحيث يبدو كشارب هتلر.
كان - رحمه الله - مميزا في كل شيء، يرتدي - غالبا - قميصا ذا أزرار، وسروال "تشاية" أسود من توبيت، وحذاء من " الصمَّارة"، يزين منكبه بلثامه المطوي إلى حجم متر، أو حين يكوره ليضعه فوق رأسه في أيام الحر، أو حين يريد وضع خنشة اسمنت أو أرز فوق رأسه، أدوات التدخين خاصته محتلة على الدوام جيب قميصه المزرر فوق صدره مباشرة (بريكه، اعظم، بيت مليء بامنيجه وسُرّة إضافيه احتياطية في منديل أسود )
كان - يرحمه الله - صاحب صرخة عظيمة مجلجلة، بمجرد أن يأخذ مكانه في " المرجع"؛ يقف نصف وقفة، أعلى قليلا من وضع الركوع، أو لنقل ركوع من به علة بظهره، يمسك ركبتيه براحتي يديه، ثم يملأ رئتيه بالهواء ليقذفه بقوة مجلجبة مصدر تلك الصرخة الجميلة، يبدأ قفزاته الدائرية مثل الكنغر، حتى تتوالى التصفيقات بالطريقة المنظمة إياها، متبوعة بزغاريد لا تنتهي. يرفع ذراعيه الممدودين بشكل أفقي بالتساوي كجناحي غراب في وضع الطيران الحر، حين يفردها للاستراحة، يرفع رجله اليمنى في ذات الوقت، ثم تبدأ القفزات بآلية عجيبة، وبرغم اعتيادنا عليها، فنحن لا نمل من التسابق و الاصطفاف خلف النسوة مشرئبي الأعناق للمشاهدة.
لا تنتهي متعة الرقص الإيقاعي هنا، يكتمل المشهد حين تقفز تلك السيدة العجيبة، نحيلة أيضا ومدخنة شرهة، تضع نظارات طبية ذات حواف زرقاء، جميلة أيضاً، ربما تضفي نظارتها الطبية مسحة جمال إضافية، ترفع جناحيها ممسكة ملحفتها بكلتا يديها، بحيث تبدو منتفخة من منطقة الخصر، من الجانبين، ثم تقلد العجوز، في قفزاته، لكنها تصدر أصواتا مختلفة، فحين يصيح العجوز صيحته المعتادة " يزقط، كما يُقال"، تصدر هي فحيحا أو " مزمزة" متتالية، وقد تقول بتتابع موزون؛ ( أَيْ، أَيْ) مرة واحدة بفواصل بجزء من الثانية، ثم ثنائيات  ( أَيْ أَيْ- أَيْ أَيْ)  متتالية دون فواصل،  هنا تترك ملحفتها لتعود لوضعها الطبيعي، لتصدر عن يديها تصفيقات ثنائية متناغمة، يتبعها ما يشبه فحيحا متواصلا (أشششششش) تماما مثل تسرب الريح من خرطوم نفخ إطارات السيارة " ميشلان ".
أَهلْ كُمْبَتَاهْ ؛ نسوة عجيبات، لا يتعبن من تكرار نفس الأداء، فقد يقمن به مساء، ثم في فجر نفس اليوم، أو ما نسميه نحن ب " صَبَاحَهْ"، حيث تنطلق الرابعة فجرا ولا تنتهي إلا بعد صلاة الفجر، إنهن سيدات أكلهن الدهر، وبقيت ذكراهن مجلجلة.

الأربعاء، 11 مارس 2020

ضرورة تدريس مادة الاقتصاد في المرحلة الثانوية!



الناظر إلى خريطة العالم اليوم سيري الكثير من الصراعات والحروب ، سواء كانت حروبا مباشرة أو حروبا بالوكالة ، لكنها تشترك جميعا في الأهداف، بل لنقل هدفا واحدا أسمى؛ إنه الحفاظ على المصالح الاقتصادية الكبرى، و ستلاحظون كذلك أن كل دولة تستخدم ما لديها من قوة للابقاء على مصلحتها مهما كلفها ذلك، هذه الوضعية  تعطينا صورة واضحة عن الأهمية القصوى " للإقتصاد " الذي يعبر عنه بالمصالح الاقتصاية أو الاستيراتيجية الكبرى، لكن  والحالة هذه، هل سنكون على اطلاع  بخفايا هذه  الصراعات ونحن الذين نبدأ دراسة أهم مادة تربوية على الاطلاق في المرحلة الجامعية؟
إن الكثير منا يسقط في أول اختبار في وحل العاطفة الجياشة بعيدا عن الادراك الفعلى للمصالح الاقتصادية الكبرى، وتجد أحدنا يصطف مع هذا الطرف أو ذاك دون حساب للمصلحة "الاقتصادية" العليا للبلد،  وهذا ناتج عن ما يمكن تسميته " بالجهل الاقتصادي المزمن"
ومن هنا تأتي ضرورة التركيز على المفاهيم الاقتصادية عبر إدراجها ضمن المناهج التربوية من الاعدادية إن أمكن أو  في المرحلة  الثانوية على أقل تقدير، فليس من الطبيعي ألا تدرس مادة الاقتصاد التي تكتسي الأهمية المشار إليها بعاليه إلا في المرحلة الجامعية فقط.
إن المراد تدريسه هنا ليس التعمق في هذه المادة  (التخصص) بل فقط تكوين قاعدة معرفية ضرورية متمثلة في  " مبادئ الاقتصاد " من خلال التركيز على المصطلحات الاقتصادية و المفاهيم المتداولة بشكل يومي، حتى نخلق وعيا حقيقيا وتجذيرا مبدئيا لهذه التخصص الذي يشكل الأساس الذي تبنى عليه الدول.
أهمية تدريس الاقتصاد
كما أشرت سابقا  الاقتصاد هو الركيزة الأساسية للدول، وفهم هذا المقصد يعتبر أساسيا لجعل أجيال المستقبل تفهم بدقة معنى أن تحافظ على بلدك بالسعي الدؤوب للحفاظ على مصالحه الاقتصادية العليا، إذ لا يمكن لدولة أن تنهض و تنمو دون البناء على مختلف الأصعدة، ولن يتأتى ذلك دون فهم الطلاب في المرحلتين الاعدادية أو الثانوية بشكل أخص  لأهمية ذلك وطرق القيام به باعتبار أن هذه المرحلة هي السابقة على تحديد توجهات المتعلمين في التخصصات الجامعية ومن بعدها إلى سوق العمل، وسواء كان العمل حكوميا أو خاصا سيكون الخريج على اطلاع واسع على مختلف المشكلات التي تواجهه، كما أن فهمه العميق المبني على تعلمه لمختلف أفرع مادة الاقتصاد في المرحلة الثانوية سيخوله استنتاج أفضل الحلول لأي مشكلة قد تواجهه.
إن العديد من الدول تتبع هذا النهج مثل مصر ولبنان واليمن و بعض دول الخليج ، وقد كان من أهم أهداف منهج مادة الاقتصاد إطلاع المتعلم على المشكلات والقضايا التي تشغل مجتمعه وتعميق فهمه لها لمعالجتها وعقلنة سلوكه الاقتصادي مستقبلا، و تتعدد الطرق التربوية المتبعة في ذلك، فمنها من يسميه الاقتصاد المنزلي ومنهم من يسميه تدريس مبادئ الاقتصاد..إلخ، وفي كلتا الحالتين لن نخسر شيئا بل نحن من يكسب من ذلك عبر  تعليم الفرد كيف يفكر اقتصاديا واجتماعيا وكيف ينتج !
لكن كيف:
 أما عن كيفية ذلك؛ فيمكن أن يتم عبر إعداد كتاب تربوي اقتصادي  من إعداد  نخبة من اساتذة الاقتصاد بجامعة نواكشوط حيث يعهد إليهم بوضع تصور يصاغ على شكل كتاب بأجزاء أربعة ، هذا أولا، ثانيا ستكون هذه فرصة لتوفير فرص عمل لآلاف الطلبة الذي يتخرجون سنويا من كلية الاقتصاد ويذهبون إلى الشارع، فلا هم مسموح لهم بالاشتراك في مسابقة اكتتاب اساتذة الرياضيات ولا أساتذة الفيزياء ولا هم وفرت لهم فرص عمل أخرى بديلة، والمنفذ الوحيد لهم هو المسابقات التي تجريها الدولة لاكتتاب اداريين وماليين والتي تجرى غالبا كل ثلاث سنوات أو أكثر.
وبشك عام سيتجاوز الطلبة إلى المرحلة الجامعية وهم على اطلاع تام بماهية العديد من المصطلحات  والمواضيع التي يتم تداولها يوميا من قبيل ؛ التنمية، الاقتصاد الكلي، الاقتصاد الجزئي، الناتج المحلي الاجمالي ، الموارد الاقتصادية الطبيعية، البطالة (الأشكال والأنواع) ، الإنتاج، الدين العام، التنمية المستدامة، التضخم بأنواعه، الاستثمار، مشكلة الندرة ...إلخ
و لقد حملت مادة الاقتصاد أسوة بباقي المواد مجموعة من الأهداف التي تؤمن للمتعلم المفاهيم والمبادئ التي تساعده على فهم ما يدور من حوله، كما تسهل مسيرته التخصصية في الجامعات ولا تقف عند هذا الحد إنما تساهم في تغيير سلوك دارسها من خلال ترشيد تصرفاته عند أول مشكلة تواجهه في وظيفته مستقبلا ، زد على ذلك أنها تجعل المتعلم مطلعا على مشكلات مجتمعه، الاجتماعية والاقتصادية و العمل على معالجتها بموضوعية من خلال الفهم العميق الذي اكتسبه من خلال دراسته لهذه المادة، وكل هذا من شأنه أيضا أن يساهم في عقلنة سلوكه كفرد ، كما يساعده على تنشيط تفاعله واندماجه الاجتاعي  وتجعله واعيا لاختيار النشاطات التي تسهم في تنمية وطنه.

الأربعاء، 26 فبراير 2020

دراسة للبنك الدولي..موريتانيا من بين 22 دولة تهريبا للمساعدات الدولية



تعتمد العديد من دول العالم و إفريقيا تحديدا، وجنوب الصحراء بشكل أدق على المساعدات الدولية لمواصلة عملية التنمية، وبشكل عام يعتبر البنك الدولي المؤسسة التي تتبوأ الصدارة في دعم موازنات هذه الدول، إلا أن جدوائية هذه المساعدات تشهد انتقادا كبيرا سواء من طرف بعض الخبراء الاقتصاديين الذي يتهمون البنك الدولي بغض الطرف عن هذه الدول من حيث الفساد وسرقة هذه المساعدات أو من طرف مواطني هذه الدول الذين يعيشون الواقع بحيثياته، أي انعكاس تطبيق الوصفات التي يطلبها البنك الدولي من هذه الدول على الحياة اليومية للمواطن، إذ زادت البطالة وتم خصخصة الكثير من الشركات التي كانت توفر فرص عمل للكثير منهم، حتى ولو أنها ليست إلا حاضنة لبطالة مقنعة تتحمل الدولة فيها ثقل رواتب تقتطع دون مردود حقيقي.
يعتبر الانتقاد الأكثر حدة ذلك الذي يأتي من المواطنين أنفسهم حيث يرون أن مساعدات البنك الدولي لم تجلب لهم إلا البطالة، كما أن الدولة أصبحت تتخلى عنهم شيئا فشيئا من خلال رفع الدعم عن الكثير من الأمواد الأساسية سواء كانت موادا غذائية أو مواد أكثر تأثير على حياتهم مثل المحروقات، المتحكم الرئيس في كل شيء، فهم يرون ألا فائدة مطلقا من المساعدات الدولية، ويجب الاستغناء عنها، لكن في ظل العجز الذي تعانيه الموازنات لايكون أمام الحكومات إلا الرضوخ لمقترحات – أوامر – البنك الدولي، علما أنه لا تخلو تلك الحكومات من رغبة جامحة لتلك المساعدات حيث تمثل مصدر ثراء مهم للفاسدين عبر تهريب الكثير من تلك الأموال الى الملاذات الضريبية وغير الضريبية، وسبيلا لذلك تلجأ لتغطية " الفشل " الذي تعيشه من خلال تزوير الأرقام التي تزود بها البنك الدولي، ففي موريتانيا اعترفت الحكومة الموريتانية سنة 2005 بأن الأرقام المتفائلة التي كانت تقدمها للممولين غير صحيحة، بل كانت عرضة للتلاعب، هذا ما جاء على لسان أحد الوزراء كان عضوا في حكومة تزور حتى أرقام التساقطات المطرية  ( انظر كتاب مدخل إلى الاقتصاد الموريتاني ، المسيرة الملامح المؤشرات، الصفحة24) ، كما أنها كانت تزور الأقام ذات الدلالة الاقتصادية عن الفترة 1992 حتى 2004  مثل عجز الموازنة و سك النقود ومعدلات النمو و مبلغ الاحتياطي الاجباري، فقد كان الاحتياطي الالزامي لا يتجاوز 50 مليون دولار في حين تقول الحكومة أنه يصل 400 مليون دولار نهاية 2002 في ما كان معدل النمو الحقيقي 3% في حين تقول الحكومة الموريتانيا أنه 4.5% أما التوسع في حجم النقود فكان يزيد سنويا بمقدار 15% في حين كان هذا الرقم ضعف الأرقام التي تفصح عنها الحكومة االموريتانية للممولين (انظر الوثيقة على الرابط https://cutt.us/dujyh ).
وفي هذا الإطار صدرت دراسة بعنوان (Elite Capture of Foreign Aid يمكن ترجمتها ب " سيطرة - نهب - المجموعة الحاكمة على المساعدات الخارجية) لعينة من 22 دولة الاكثر اعتمادا على المساعدات الدولية لمجموعة باحثين بالبنك الدولي ( يورغن جويل أندرسن، نيلز يوهانسن، بوب ريكرز)  منشورة بتاريخ  18 فبراير 2020 عن الفترة 1990 – 2010، اعتمدت على العديد من البيانات المجمعة، وقد ركزت هذه الدراسة على التناسب الطردي بين الايداعات النقدية للنخبة الحاكمة في البنوك بدول تمثل ملاذات ضريبية كسويسرا و لوكسوبرغ  و في بنوك دول أخرى لا تمثل ملاذت ضريبية وقد وجدت الدراسة أنه  في الربع الذي يتلقى فيه بلد ما، ما يعادل 1٪ من الناتج المحلي الإجمالي ، تزيد ودائعه في الملاذات الضريبية بنسبة 3.4٪  مقارنة بدولة لا تتلقى أي مساعدة، كما أن منح البنك الدولي لبلدان مثل بوروندي أو إريتريا يتوافق مع زيادة في التحويلات إلى بلدان مثل سويسرا أو لوكسمبورغ إذ يتراوح متوسط ​​الودائع في الملاذات الضريبية بين 4 ملايين دولار لساو تومي وبرينسيبي إلى حوالي 200 مليون دولار لمدغشقر، من ناحية أخرى، لم يلاحظ أي زيادة في الأصول الموجودة في بلدان لا تعتبر ملاذات ضريبية وتتوافق هذه التدفقات المالية غير المشروعة مع ما مجموعه 5٪ من المساعدات الإنمائية التي يمنحها البنك الدولي للبلدان المعنية ويرتفع هذا المعدل إلى 15٪ بالنسبة للبلدان السبعة التي تعتمد بشكل كبير على المساعدات المقدمة من المؤسسة (بوروندي ، غينيا بيساو ، إريتريا ، ملاوي ، سيراليون ، أوغندا ، موزمبيق).
وفي ما يتعلق بموريتانيا فقد أظهرت الدراسة أنه قد تم تهريب مبلغ 32 مليون دولار خلال الفترة 1990 حتى 2010 إلى بنوك تمثل ملاذات ضريبية مثل لكسومبرغ و سويسرا حيث كانت تمويلات البنك الدولي عن هذه الفترة تمثل 2.1% في حين كانت المبالغ المحولة إلى بنوك دول لا تمثل ملاذات ضريبية في حدود 150 مليون دولار، وكان معدل النمو الفصلي للودائع في الملاذات الضريبية يساوي 2.14 أكبر بقليل منه في البنوك التي لا تمثل ملاذات ضريبية حيث يساوي 2.7%.



وما يمكن استنتاجه من هذه الأرقام أن موريتانيا خسرت مبالغ كبيرة كانت لتشكل رافدا مهما لعملية التنمية، على الرغم من الأرقام المتفائلة التي تعلنها الحكومات الموريتانية عقب فترة هذه الدراسة، حيث سيكون الشك يراودنا حيالها، فعلى الرغم من أن الأنظمة تتغير إلا أنها تبقى محافظة على جوهرها المتين الذي يُعتمد عليه في وضع السياسة العامة كما أن مؤشرات مدركات الفساد هي الأخرى – انظر مقال سابق بعنوان : الاقتراض الخارجي والفساد... لماذا نرهن أنفسنا؟ - تمنعنا من التفائل بالارقام التي يُعلن عنها تباعا.
وبشكل عام، فقد خلصت الدراسة إلى أن المدفوعات إلى الدول التي تعادل 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (موريتانيا تساوي 2.1%)  في ربع معين، تؤدي إلى زيادة ملحوظة إحصائياً في ودائع الملاذ بنحو 3.4 في المائة، وبالوضع في الاعتبار أن موريتانيا كانت تقدم أرقاما مغلوطة لمؤسسات التمويل الدولية و كذا بيانات الجدول أعلاه، ثم مَرْتبة موريتانيا المتدنية في مؤشر مدركات الفساد، لا يسمح لنا إلا أن نخلص إلى أننا ضحية عملية سرقة كبيرة لتمويلات سندفعها لاحقا مرغمين و بحجم مضاعف نتيجة معدلات الفائدة المتراكمة بفعل عمليات إعادة الجدولة الدائمة.

إقرأ أيضا :






الأربعاء، 15 يناير 2020

موريتانيا تخسر 13.8 مليون دولار بسبب الحظر على الانترنت سنة 2019




أظهرت دراسة أعدها موقع Top10VPN.com أحد أفضل مواقع مراجعة VPN على مستوى العالم  أن إفريقيا جنوب الصحراء تتكبد خسارة مالية قدرها 2.16 مليار دولار عن 7800 ساعة من تعطل الانترنت سنة 2019 بسبب العديد من القيود على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

هذا وقد عرفت موريتانيا خسارة لمبلغ 13.8 مليون دولار عن 264 ساعة حظر انترنت ، علما أن عدد المستخدمين للانترنت في موريتانيا يناهز 0.9 مليون مستخدم. جدير بالذكر أن موريتانيا تعطل الانترنت أيام المسابقات الوطنية كما عطلتها لمدة أسبوع تقريبا بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

 فيما يتكبد العالم  خسارة قدرها 8.05 مليار دولار ، أي أن إفريقيا جنوب الصحراء تخسر ما يمثل 26.8% من التكاليف العالمية بسبب القيود على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

وقد حلت تشاد في المرتبة الأولى كأكثر دولة قيودا على الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي استمر 4728 ساعة وتسبب في خسارة مالية قدرها 125.9 مليون دولار.

وقد  كشف top10vpn.com أن عمليات الحظر للوصول إلى الإنترنت أو الوصول إلى الشبكات الاجتماعية في عام 2019 حدث في أغلب الأحيان استجابة للمظاهرات أو الاضطرابات المدنية ، خاصة في سياق الانتخابات ، لتقييد تدفق المعلومات والحفاظ على السيطرة على السكان.


الأربعاء، 8 يناير 2020

الاقتراض الخارجي والفساد... لماذا نرهن أنفسنا؟



في أغسطس 1982 أعلن وزير مالية المكسيك " خيسوس سيلفا ايرزوغ "  أن المكسيك لن تتمكن بعد الآن من سداد ديونها، وأعلنت المكسيك أنها لا تستطيع الوفاء بمواعيد استحقاق دفعاتها، وقررت من جانب واحد قرارًا رسميًا بتأجيل دفع الديون المستحقة لمدة 90 يومًا؛ كما طلبت إعادة التفاوض على فترات السداد وقروض جديدة من أجل الوفاء بالتزاماتها السابقة.
و خلال الفترة من 1975 و1982، ارتفعت ديون أمريكا اللاتينية "  للبنوك التجارية" بمعدل سنوي تراكمي قدره 20.4%  وقد زادت ديون أمريكا اللاتينية الخارجية إلى أربعة أضعاف من 75 بليون دولار أمريكي في عام 1975 إلى أكثر من 315 بليون دولار في عام 1983، أي 50% من الناتج المحلي الإجمالي ( PIB أو  GDP ) للمنطقة و نمت خدمة الديون على إثر ذلك.
يعتبر المثال السابق مجرد لمحة عما تعنيه الديون التي إن خضنا في جدوائيتها لن يكفيها كتاب كامل، و على الرغم من أن أمريكا اللاتينية قد استدانت لتحول اقتصادها إلى اقتصاد تصنيع لعله يشهد انطلاقة تجعلها في مصاف الدول المتقدمة، إلا أنه يتبين أننا في موريتانيا نستدين فقط من أجل الاستدانة، على الأقل هذا ما يظهر للعيان، فقد تضاعفت الديون منذ 2007 حتى 2018 بشكل مخيف (الشكل 2)، ورغم ذلك لازلنا نستدين و ما يزال الاقتصاد الوطني يعاني، أتحدث هنا عن ما يعيشه المواطن العادي يوميا، فهو لم يشهد أي تحسن على مستوى معيشته، و عليه يكون السؤال، أي فائدة أجنيها كمواطن من هذه الديون التي تتضاعف سنويا من أجل مشاريع لا تلامس حياتي اليومية، أليست مجرد آمالا زائفة لا أكثر وعبئا تتحمله الدولة دون فائدة؟ 
تنقسم الديون في شقها الخارجي إلى قسمين أو ثلاثة ، قسم يسمى الديون ثنائية الأطراف، وهي تلك التي تنشأ بين دولتين، و قسم مع بعض التكتلات الإقتصادية مثل " نادي باريز" وقسم مع صندوق النقد الدولي، كما تتميز نسبة الفائدة على هذه الديون بكونها قليلة نسبيا و مع فترات سماح قد تصل خمس أو عشر سنوات، لكن المشكلة لا تنشأ هنا، بل حين تعجز الدولة الموريتانية عن سداد الأقساط مع الفائدة (خدمة الدين)، فالدولة التي تستدين ينبغي ألا تخرج عن خيارين، إما أنها ستستثمر في مشاريع عمومية ستعود بمنفعة كبيرة على الاقتصاد، بالتالي يحدث نمو مستقبلي في أفق سنوات سيسمح بسداد هذه الديون في فترات استحقاقها، و إما أنه تمت الاستدانة نتيجة مورد اقتصادي ما سينتج عن تصديره قضاء هذه الديون (أقساطا وفائدة). و تتميز الديون الثنائية بأنها الأكثر خطرا على الدولة، يليها صندوق النقد الدولي، فحين تعجز عن السداد سيكون للدولة الدائنة خيارين، إما أن توافق على جدولة الدين و هنا ستزيد نسبة الفائدة على الدولة المدينة وتتضاعف الديون بعد ذلك أو ينشأ عن ذلك فقدان السيادة الوطنية حين تطلب الدولة الدائنة (أي الدولة التي تطالبنا بدين) أرضا مقابل ديونها أو تفرض تفضيلا لها في صفقات عمومية قد لا تكون الشركات التي تمثلها في المزاد الأفضل في المجال، بالتالي سنكون مرغمين على القبول برغم ذلك، أو أن نضطر لاتخاذ مواقف خارجية قد لا تخدم مصالحنا الاستيراتيجية أو القومية أو قد تكلفنا فقدان فرص اقتصادية أفضل، فقط لأننا مرهونين لهذه الدولة أو تلك، وفي كل الحالات فإننا فقدنا سيادتنا بسبب ديون لم نوظفها بالشكل المطلوب. الخطر الذي أضعه في المرتبة الثانية هو خطر الاستدانة من  صندوق النقد الدولي، إذ إنه يتدخل مباشرة في موضوع السيادة، فحين تعجز عن السداد تكون أوامره التي تأتي في شكل  " توصيات " سيفا مسلطا على رقبة أي حكومة، هذ التوصيات التي تأتي في شكل سياسات الحد من الإنفاق العمومي عبر خصخصة  الشركات العمومية و بالتالي عمالة كثيرة و مشاكل اجتماعية لا تنتهي كما سنرى.

 
إن القارئ لمؤشرات مدركات الفساد سيلاحظ الرتب التي تحتلها موريتانيا من بين الدول الأكثر فساد عن جدارة واستحقاق، فهي دائما بعد المائة في كل التقارير (أنظر الشكل 1) و لست بحاجة للتذكير أنه كلما كثر الفساد وانتشر كلما عجزت الدولة و فشلت في كل التزاماتها الخارجية، إذ أن انعدام المسئولية و غياب الوطنية هي السمة السائدة و كلٌ يهتم فقط بحاجته و حاجة أسرته وقبيلته بالدرجة الأولى ولتفلس الدولة وتغرق في الديون كما تشاء.




 إن التجارب السابقة في الاستدانة لا تشجع، فلا ديون الكويت المتراكمة و لا تضاعف الدين الخارجي بشكل عام (الشكل رقم 2) توحي بأننا قاديرن على التخلص من هذا العبء الثقيل، و هنا سيكون على الدولة الوفاء بالتزاماتها و تسديد هذه الديون، وبما أننا دولة يسطر عليها الفساد فسنلجأ دائما إلى جدولة تواريخ السداد ما يعني تضاعف مبالغ الدين و الضحية هم الأجيال اللاحقة.



إن بلدا بمواصفات موريتانيا يطغى عليه الفساد، كما يشير مؤشر مدركات الفساد، حريٌ به أن يدرك أن المستقبل ليس في صالحه بهذ الشكل من الاستدانة بحيث أن الدين الخارجي أصبح يمثل أكثر من 80% من ناتجه الإجمالي، و الغريب حقا هو أن موريتانيا التي تزيد قليلا عن أربعة ملايين نسمة تلجأ للاستدانة برغم الثروة المعدنية والحيوانية والسمكية الهائلة، و المثير للاستغراب أكثر أنها ترزح تحت الديون دون أن تلجأ إلى إنشاء مشروع قومي ذا مردود مادي يسمح لها بالاستغناء عن الاستدانة، و الاستدانة من البنوك التجارية الدولية بشكل خاص التي لا تسامح البتة في تحصيل ديونها، إذ قد نجد أنفسنا مضطرين بعد سنوات لتقاسم ملكية ميناء نواكشوط المستقبل مثلا و ليس تأجيره أو نضطر لبيع جزء من أراضينا لقضاء ديوننا بسبب أن مجموعة من الفاسدين لا همَّ لهم سوى نفخ حساباتهم البنكية، و إذا ما قُدّر لهم إقامة مشاريع فغالبا ما تكون فاشلة و النتيجة ديونا تتراكم.
إن مشكلة تراكم هذه الديون ليس في تأثيرها المستقبلي، بل هل ما لدينا من الموارد الأولية يسمح لنا بسدادها لاحقا أخذا في الحسبان الفساد المستشري، فبرغم الاكتشافات الأخيرة إلا أن تجربة النفط والآمال الزائفة التي بنيت عليها تجعلنا نتوجس من أي أمل حتى ولو كان الغاز المستقبلي.
ما الذي سيحدث؟ 
بمجرد أن تعجز الدولة عن سداد ديونها، ستهرب الاستثمارات الاجنبية المباشرة و ستزيد معدلات البطالة و تنتشر المساكل الاجتماعية أكثر. ففي أمريكا اللاتينية تسببت الأزمة في انخفاض معدل الدخل الفردي وزيادة الفقر مع زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء بشكل كبير، بسبب انخفاض معدل العمالة، ما اضطر الأطفال والشباب إلى الاتجار بالمخدرات والدعارة والإرهاب، كما أدى معدل العمالة المنخفض إلى تفاقم العديد من المشاكل مثل القتل والجريمة وجعل الدول المتضررة أماكن غير مرغوب العيش فيها.

مواضيع ذات صلة:


ماذا تعني الديون الخارجية الموريتانية ومن يتحمل سدادها ؟

ديون موريتانيا الخارجية وبالوعة الجنرال محمد ولد عبد العزيز

نظام العسكر... ديون تتحملها الأجيال القادمة!










السبت، 28 ديسمبر 2019

قنوات التوظيف في موريتانيا ... غياب دور " وزارة التشغيل "

صورة من التقرير 
بغض النظر عن الاتفاقية الأخيرة بين وزارة التشغيل و اتحاد ارباب العمل الموريتانيين حول خلق ستة آلاف فرصة عمل و عن كون المعلومات الواردة في الشكل البياني المرفق إلا أنها تظل نفس الوزارة ونفس السياسات منذ فترة ليست قصيرة.
تظهر الصورة المرفقة قنوات التوظيف حسب مجال العمل في موريتانيا كنسبة مائوية من الشركات الموريتانية، الشكل البياني ضمن تقرير صادر 2017 عن العمل في موريتانيا بشكل عام، هذه القنوات هي (الاسرة و الأصدقاء، طلبات التوظيف، اعلانات الاكتتاب، و "وزارة التشغيل" و قنوات اخرى غير محددة) و قد بين الشكل البياني (الصورة) دور كل قناة في التوظيف على حدة، أما المجالات فهي (الأعمال المكتبية، الصيد، الصناعة، الاشغال العامة، التجارة...إلخ)، و هذا ما سنحاول التعليق عليه في ما يلي:
⬅ بالنسبة للأعمال المكتبية يتساوى فيها تقريبا قناتي الأهل و الأصدقاء مع طلبات التوظيف كأبرز سبب للحصول على عمل بنسبة تقارب 68٪ من الشركات، أي أن الحصول على عمل في 68% من الشركات العاملة في هذا المجال يأتي عن طريق القناتين سافتي الذكر. فيما تأتي قناة " اعلان الاكتتاب و بقية القنوات" في المرتبة الثانية بنسبة 30٪ تقريبا، أي أن اعلانات الاكتتاب تمثل سبيلا للتوظيف في 30% من الشركات العاملة في مجال الاعمال المكتبية ، و الملاحظة الابرز هي اختفاء دور وزارة التشغيل في التوظيف في هذا المجال من الشركات.
⬅ أما في ما يتعلق بالشركات العاملة في مجال الصيد، فالقناة الابرز للتوظيف فيها هي " اعلانات الاكتتاب " بنسبة 60٪ أي أن 60% من الشركات العاملة في هذا المجال يتم التوظيف فيها عن طريق " إعلانات الاكتتاب التي تقوم بها هي نفسها" ياتي بعد ذلك قناة " طلب التوظيف " بنسبة 50٪ تقريبا، وهو ما يعني أن طلبات التوظيف التي يقدمها العاطلين توفر لهم وظائف في نحو 50% من هذه الشركات. أما وزارة التشغيل فقد حلت في المرتبة الثالثة بنسبة 9٪ ، أي أن نسبة 9% من مجموع الشركات العاملة في هذا المجال يتم التوظيف فيها عن طريق وزارة التشغيل.
⬅ وفي مجال الصناعة فإن نسبة 30٪ من الشركات ذات الصلة يتم التوظيف فيها بالتساوي عن طريق " الاهل والأصدقاء " ثم " اعلانات الاكتتاب " و اخيرا " وزارة التشغيل" وهي أكبر نسبة تساهم بها وزارة التشغيل كوسيلة للتوظيف.
⬅ و في مجال الاشغال العامة فإن 70٪ تقريبا من الشركات العاملة في هذا المجال يتم الحصول على عمل فيها عن طريق " الأهل و الأصدقاء" ثم في المرتبة الثانية تأتي " طلبات التوظيف" كوسيلة للعمل في نحو 60% تقريبا من الشركات، و 45% تقريبا منها يتم التوظيف فيها عن طريق " اعلانات الاكتتاب " كثالث قناة، أما " وزارة التشغيل " فتمثل وسيلة للتشغيل في نحو 10% تقريبا من مجموع الشاركات العاملة في المجال.
⬅ أما في مجال التجارة، فنسبة 55٪ تقريبا من الشركات العاملة فيها يتم التوظيف فيها عن طريق " طلبات التوظيف « فيما تأتي قناة " الاهل و الاصدقاء « كقناة ثانية للتوظيف في نحو 45% من هذه الشركات ، و تمثل " اعلانات الاكتتاب " وسيلة للتوظيف في نحو 45% أيضا من هذه الشركات كقناة ثالثة، أما " وزارة التشغيل " فلا تمثل كقناة للتوظيف إلا أقل من 10٪ من مجموع هذه الشركات العاملة في المجال.
الحصيلة :
⬅ أما بشكل عام وفي مختلف مجالات العمل في موريتانيا (الأعمال المكتبية، الصيد، الصناعة، الاشغال العامة، التجارة...إلخ) فإن 50٪ تقريبا من كل الشركات العاملة في موريتانيا فيتم التظيف فيها عن طريق " الاهل و الاصدقاء" ثم يلي ذلك " طلبات التوظيف " و " اعلانات الاكتتاب " ، أما وزارة التشغيل فليست قناة للتوظيف سوى في حوالي 10٪ من الشركات العاملة في جميع المجالات السابقة ذكرها. 
و يتضح بشكل جلي أن وزارة التشغيل ليست القناة الأولى في موريتانيا لتشغيل العاطلين عن العمل و هو ما يعتبر فشلا ذريعا لها خاصة أن هذا هو مجال عملها الأساسي ، بالتالي يكون من المنطقي التساؤل عن الدور الذي تقوم به تحديدا ، فحين يكون دور " الأهل والأصدقاء " أكثر فعالية سبيلا للحصول على عمل من وزارة مخصصة لهذا الشأن فهذا يعني أنها بلا استيراتيجية تنتهجها و لا تخطيط ترسمه للقضاء على مشكل البطالة الذي يعانيه الكثير من العمالة النشطة في هذا البلد.

الاثنين، 9 ديسمبر 2019

هل يحق لنا المطالبة بالغاء الاتفاقيات المبرمة مع المستثمرين الأجانب ؟




انطلقت قبل فترة حملة (تدوينية) على فيسبوك للمطالبة بطرد بعض الشركات المستثمرة في موريتانيا في مجال الصيد، خاصة شركة (بولي هوندون بلاجيك فشري السمكية)، التي اتهمت باستغلال الثروة السمكية الموريتانية بشكل ينتهك المعايير المتفق عليها كما أنها لم تلتزم بالاتفاقية الموقعة مع الحكومة الموريتانية، و نظرا لأن هذه المطالب قد لا تتماشى مع القوانين الدولة المتعلقة بحماية الاستثمار فقد أحببت المساهمة في هذا النقاش من خلال الفقرات اللاحقة.
تعتبر موريتانيا من بين الدول الفقيرة في العالم و العالم الثالث بشكل أدق، حيث يكثر الفساد والرشوة والمحسوبية و الصفقات تحت وفوق الطاولة، وهي ظروف مواتية لبعض المستثمرين الأجانب خاصة الشركات ذات رأس المال الكبير أو التي يصطلح على تسميتها بالشركات الفوق وطنية أو العابرة للقارات، أي أن قدرتها المالية و تأثيرها عابر للقرارات والسلط الوطنية إذ قد يكون مركزها المالي أكبر من ميزانية بعض الدول.
تبقى قوة الدولة و قدرتها على التفاوض هي الفيصل في الحصول على مردود أكبر أثناء المفوضات التي تنشئ على اثرها الاتفاقيات المبرمة مع هذه الشركات، و موريتانيا كغيرها من الدول التي تعتمد بدرجة معينة على المساعدات الدولية و ثنائية الأطراف، رغم اختلاف أنواع هذه المساعدات، تبقى معرضة بشكل كبير لضغوط هذه الشركات سواء عبر الدول التي تمثل هذه الشركات أذرعا اقتصادية قوية لها أو من قبل الشركات ذاتها التي قد تُقدم على مختلف السبل، خاصة إذا كانت الدولة تتوفر على مواد أولية هائلة مثل النفط والنحاس والذهب والغاز.
يورد العديد من الخبراء في الشأن الأفريقي تورط العديد من رجال الأعمال والمليارديرات أصحاب الشركات العملاقة في عمليات رشوة لزعماء أفارقة ولعل حديث الجنرال محمد ولد عبد العزيز عن محاولة المليارير الفرنسي  فينسان بولوري رشوته (لا تتوفر معلومات عن حقيقة الموضوع سوى ما ذكر هو ) خير دليل على قوة هذه الشركات التي وصلت حتى لمحالة التأثير على قرارت من هُم في سدة الحكم في البلدان الافريقية حتى وإن كانت تلاحقهم اتهامات فساد كثيرة، علما أن هذا الملياردير اتهم في فرنسا بقضايا فساد تتعلّق خصوصا باستحواذ مجموعته على موانئ في توغو وغينيا.
الحديث إذا عن الرشوة والفساد مسائل لا تنتهي أبدا و يعزز ذلك الاوضاع البائسة التي تعيشها أغلب دول القارة رغم كثرة الموارد الأولية التي تزخر بها هذه الدول ورغم المليارات الطائلة التي تتطاير من هؤلاء الحكام هم و أقابهم، و نظرا لأن الشركات الكبرى تسعى دائما للتوسع و الانتشار عبر الاستحواذ على كل مصدر للطاقة في العالم فإنها مستعدة لأي شيء و في مقدمة ذلك الرشوة بمبالغ تثير الدهشة  وتجعل عرق أي حاكم أو مسئول يتصبب كشلال هادر ، سبيلا للحصول على مبتغاها، إن المشكلة لا تكمن هنا فحسب بل تتعدى ذلك إلى المخلفات والآثار الممكن حدوثها ما بعد بداية استغلال هذه الموارد، فتتعدد هذه الآثار إلى بيئية كانتشار السموم (شركة نحاس موريتانيا) أو الى الاستغلال المفرط لهذه الموارد دون حسيب أو رقيب، فلا المسئولين مهتمين نظرا للمبالغ التي دخلت حساباتهم أو نظرا للعقود المبرمة مع شركاتهم و لا القدرة الفنية للدولة تسمح بمراقبة  فعّالة نتيجة الطبيعة السائدة في الدول الافريقية حيث لا تتوفر على الامكانيات الضرورية لمراقبة صارمة.
تبقى الاشكالية مطروحة بشكل كبير للدول الافريقية، ففي حالة سقوط نظام وحلول آخر بدله و فكر في مراجعة هذه الاتفاقيات أو ثارت  الشعوب الافريقية التي قد تطالب بمراجعة هذه الاتفاقية ، هنا و نظرا للقوانين الدولية التي تمنع انتهاك الاتفاقيات الاستثمارية  والتي تحمي حقوق المستثمرين عائقا كبيرا في وجه هذه المحاولات، إلا أن طريقة وحيدة تبقى متاحة للدول ضحية هذه الاتفاقيات المجحفة على الرغم من ضآلة  احتمالية الاستفادة منها نظرا لاحتياط الشركات الكبرى في هذا الجانب لخبرتها المتركمة. إن هذه الطريقة تتمثل في باب الغاء أو مراجعة الاتفاقيات في حالة اخلال أي طرف ببنودها، وقد أقرت موريتانيا في هذا الاطار مدونة الاستثمار الصادرة 2012 و المراجعة 2016 و التي ضمت العديد من المزايا والحوافز المشجعة على الاستثمار، إذ نصت بداية وفق " المادة التاسعة (9) من باب " ضمان وحقوق وحريات المقاولة" على أن (حرية النفاذ إلى المواد الأولية الخام أو شبه المصنعة المنتجة على كاف التراب الوطني مضمونة مع مراعاة الترتيبات التشريعية أو التنظيمية المتعلقة باستغلال المواد الأولية و تمنع عمليات التواطؤ و الممارسات المخلة بلعبة المنافسة و يعاقب عليها القانون).
أما النقطة الأهم والمتعلقة بمراجعة أو المطالبة بالغاء الاتفاقية (رغم تأثير الالغاء على فرص قدوم المستثمرين في المستقبل و مساهمتهم في تكوين رأس مال وطني ضروري للتنمية ) فقد أفردت المدونة سالفة الذكر لذلك المادة 30 تحت عنوان " النزاعات المتعلقة بتفسير أو تطبيق قانون الاستثمار " ضمن باب يسمى ( تسوية النزاعات) ما يلي:
( المادة 30 : كل النزاعات الناجمة عن تأويل أو تطبيق هذه المدونة تتم تسويتها بالتراضي، أو عند استحالة التفاهم بين الأطراف المعنية عبر التحكيم، أو تبعا لاختيار المستثمر أمام المحاكم الموريتانية المختصة طبقا لقوانين و نظم الجمهورية الاسلامية الموريتانية.
وفضلا عن ذلك فإن النزاعات بين المستثمرين الأجانب أو المقاولات المملوكة من قبل الأجانب الموجودة في الجمهورية الاسلامية الموريتانية، وبين سلطات الجمهورية الاسلامية الموريتانية، والمتعلقة بهذه المدونة يمكن أن تسوى بالتراضي أو التحكيم وذلك :
-         إما باتفاق الطرفين
-         و إما بالرجوع إلى الاتفاقيات والمعاهدات المتعلقة بحماية الاستثمار المبرمة بين الجمهورية الاسلامية الموريتانية و الدولة التي ينحدر منها المستثمر.
-         و إما باللجوء لتحكيم الغرفة الدولية للوساطة والتحكيم الخاصة بموريتانيا أو المركز الدولي لتسوية النزاعات المتعلقة بالاستثمارات الذي أنشئ بمقتضى " اتفاقية تسوية النزاعات المتعلقة بالاستثمارات " بين الدول و رعايا الدول الأخرى بتاريخ 18 مارس 1965 التي صادقت عليها موريتانيا).
إن اللجوء لهذه الطريقة يحدث في حالة إخلال أحد الطرفين بالاتفاقيات الناجم عنها عمليات استثمار، فهل راقبت الحكومة الموريتانية وتابعت نشاط هذه الشركة حتى تتحقق من التزامها ببنود الاتفاقية  لكي تطلب مراجعتها ؟
إذا يمكن أن نخلص إلى أن اتهام هذه المؤسسات يدخل ضمن ردود الأفعال العاطفية الموجودة لدى كل مواطن غيور على ثروات بلده، لكن هذه المواقف النبيلة يجب تحويلها إلى غضب  موجه إلى الحكومات الفاشلة التي سمحت أصلا ووافقت على استغلال هذه الموارد بالطرق القائمة حاليا بل إنه يجب أن يتطوع محامين مشفوعين بالبنود التي لم تلتزم بها هذه الشركة (أو الشركات) و تقديم شكاية لدى المحاكم المختصة إن كان القانون الموريتاني يسمح بذلك ، و إلا فلن يكون متاحا سوى مواصلة الضغط على الحكومة حتى تقوم بخطوات جادة لتصحيح هذه الخروقات.

الثلاثاء، 5 نوفمبر 2019

جمهورية في الاتجاه الخطأ



لطالما كانت الدول تبنى على العدل والمساواة والديمقراطية واحترام القانون و ما إلى ذلك من المعايير الضروية للعيش داخل مجتمعات منسجمة و متصالحة مع ذاتها، بل إن الجميع يسعى لترسيخ مثل هذه المميزات لأن توطيدها فيه مصلحة للجميع. ففهم ذلك و تقبل الآخر يصل بنا إلى دولة مدنية ديمقراطية لا تقوم على مجموعة من الأساطير والأوهام الفوقية البائدة و ما ينجم عن ذلك من تراتبية مقيتة ستكون الدولة كهدف منشود هي الضحية الأولى لها.
لكننا في الحقية نمتاز ككيان يحاول أن يكون دولة بالعديد من الصفات السلبية، و لعل أبرزها أننا لم نستوعب بعد معنى الدولة، إننا نعيش في عصر جاهلي تحكمه قوانين قبلية و مصلحية و تحالفات بدائية تضر أكثر مما تنفع، فحصلنا على " شبه دولة " يفصلها أحدنا على مقاسه، و مقاس أسرته ثم قبيلته والزوائد العالقة بها.
لقد بدأت الدراسة و كانت هناك مادة " التربية المدنية" ولعلها لا تزال لكن واقع مخرجات التعليم اليوم لا يوحي بذلك؛ فتفكير جلهم منصب حول قبيلته و أبناء عمومته لا أكثر.
إننا كمجتمع ساع للتمتع بمزايا الدولة يلزمنا محاولة تمثيل ذلك في سلوكنا اليومي قبل ترسيخه ليكون جزءاً من قناعاتنا وسيكون نتيجة ذلك التضحية بالقرابة و المعرفة  وتغليب جانب المصلحة العامة على تلك الضيقة.
 ليست المطالب الفئوية – و إن كانت نتيجة اللاعدل والغبن المسيطر - خدمة للدولة المدنية نهائيا، خاصة حين تكون تلك المطالب تهدف بالذات لتبوؤ نفس مقعد المفسدين والعنصريين، فتغدو ليست إلا مطالب من أجل الفساد و المساهمة فيه و المطالب بها ليس إلا شخصا مريضا ومقززا لا يرى أبعد من أنفه، وساعتها لن تكون هناك دولة ولن يتغير الوضع بل سيتعزز بفعل الجشع و حب الامتلاك الذي نعاني منه الآن و ستضيع الحقوق و يتأزم الوضع أكثر. إن الدولة كيان يسمو فوق ذلك كله، لذلك اخدم قضيتك من أجل موريتانيا، ولا تخدمها لتكون مثل من كان السبب فيها، غير ذلك تناقض و صاحبه معقد ذو نظرة قاصرة  و أفق فئوي ضيق.
أعود لأؤكد حاجتنا الماسة  لدراسة مادة التربية المدنية و بشكل يجعلها إحدى أهم المواد المدروسة مع استخدام ضوابط صارمة يجعل عدم حيازة المعدل فيها معيقا للتجاوز لتترسخ مبادئ المساواة والحقوق قبل كل شيء ، فالناظر إلى المفاهيم المجتمعية و في لغتنا المحكية يدرك أن السائد هو منطق الغابة والجهل والمصلحة الآنية، فأصبحنا لا ننتج فردا مساهما في التطور المنشود، بل شخصا معيباً يعمل بجدارة لأسرته وقبيلته لا أكثر، فاجترار أمثال " حسانية " من قبيل (ال تول شي ظاگو، أو كأن يقول أحدنا " افلان ذاك اعين يغير بلا فايدة " )  ليست إلا انعكاسا صارخا للتخلف و الانحطاط إلى الهاوية الذي يتعزز يوميا، إن هذه " الأمثال "  تصب مباشرة في تغييب معنى الإلتزام تجاه وطن يجب أن يسمو فوق المصلحة الذاتية و الآنية الضيقة.
لقد طغت في الفترة الأخيرة مجموعة من التعيينات تتكرر أسبوعيا، و التي يغلب عليها طابع القرابة والجهة و النفوذ - دون الخوض في جانب الفئة ، المفسدين لا فئة لهم -  بحيث لا يخلو منها يوم خميس تقريبا، تصب في أغلبها في نفس الاتجاه، و يغيب عنها طابع الاختصاص، فلا الوزير مختص و لا الامين العام ولا المدير، كلها تعيينات بوساطات نفعية ضيقة تأخذ القرابة و المعرفة سببا لها، بل إنها أسر معينة تتوارث مناصب كأن الدولة ليست إلا عزبة ملكا لها تتقافز على أهم مناصبها كتقافز القردة على قمم واحة نخيل.
 ولا يغيب في هذا الإطار الاشارة إلى ما سيتحمله المجتمع من ويلات جراء هذه التعيينات المصلحية، فلا يستطيع غير الخبير في مجال الغاز أن تكون له قيمة مضافة في مجال عمله. كما أن الشخص المعين بإحدى الطرق الملتوية لن يكون همه تقديم إضافة بل كيف يرضى من كان السبب في تعيينه (رد الجميل)، كيف لا؟!، و هذا المنصب غنيمة وقعت عليها عينه و لا يستطيع أحد ردعه فهو بتوصية جنرال أو نافذ فاسد (دون الحديث عن فئته).  
أخيرا، الدول التي لا تزال تحتكر فيها الأراضي باسم القبائل و تعطل مصالحها لأجل هذا الشيخ المتخلف أو ذاك، أو حتى تقدم لهم هدايا و رواتب بسبب القاب وهمية، حري بها أن يستحي القائمون عليها و يشعرون بالخزي، لأنهم يجنون على أجيال لا دخل لها في واقعنا المعيب.

رأيكم يهمني

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

blogtopsites'