السبت، 2 مايو 2020

المدرس سيدينا 1998

سنة 1998، المدرسة رقم واحد العتيقة، ثلاثة أقسام بيضاء، أو لنقل مائلة للصفرة بفعل عوامل التعرية القاسية، نوافذها عبارة عن صفائح مثل الستائر تلتصق ببعضها عند الإغلاق، لكنها كانت باردة في فصل الصيف، وكثيرا ما نمنا بفعل ذلك الهواء العليل، كنا حوالي أربعون تلميذا، المدرس السيد/سيدينا الذي كنا ننظر له كعارض أزياء من كثر ما بدل  يوميا، طويل ونحيل، وكانت ياقات أقمصته تبدو عليه وكأنه طفل ابن ثمانية سنوات، حينويرتدي زي والده، كانت تسريحته المتموجة مائلة يسارا، (دراعته) تصدر فرقعة عجيبة، سماها مصطفى "العِلك" لاتفارق السيگارة مكانها المعتاد بين سبابة ووسطى شماله، شماله التي يبعدها عنه عدة سنتمترات أثناء سير كأنها شيئا ملوثا، يمشي بهدوء قاتل، مائل إلى الأمام قليلا (مْكَوَّت)، ينتعل أحذية " سيمار أو فاني غالبا"ولن أحدثكم عن عطره الذي يثير سعالنا بشكل متواصل، نعم، نحن الذين يوبخنا دائما بعبارته القاسية (تَمُّ اسْتحمو).
استعداده للجلوس على مقعده يتم بطقوس خاصة؛ يقف أمام مقعده، ثم يخرج منديلا " كلينكس"من جيبه بنفس الهدوء، عبر سبابته وابهامه وبمساعده يده اليسرى بعد ايداع السيگارة فمه المليء بالفتحات في فكه السفلى، يلف طرفي دراعته بهدوء شديد وبإحكام أيضا، يمد يده من بعيد ثم يمسح المقعد، يبدأ بحوافه ثم وسطه بحركة دائرية غير مكتملة، ثم يتبع كل ذلك بنفخة من فمه حتى يزيل آخر العوالق، وكم تمنينا ألا يقعد ذلك اليوم.
 أحياناً يطلب "الجمل" ليقوم بالمهمة؛ الجمل هذا لمن لا يعرفه، هو أطول من في الفصل، عضلات مفتولة وأنف أفطس وصدر مفتوح، وغير محب للدراسة كثيرا، لكنه والحق يقال يجيد تنظيف السبورة ومقعد المدرس وطاولته، وعدى عن لقب الجمل، كان مصطفى يلقبه بـ "الطلاسة" :)
مدرسنا، يبتسم بدلال أنثوي غير مفهوم. لقد كنا نلحظ حركات غير اعتيادية وسرور مفاجئ في عطلة العاشرة، وهو يحادث تلك المدرسة القصيرة، الجميلة والممتلئة،في الخقيقة كثير ممن عاصرها هام بها عشقا، لكنها صلبة وقاسية ولعوب في نفس الوقت، كان يسبقها إلى مكتب المدير الخالي من أي حركة دوما.
كانت الفوضى تعم القسم حين نقتنص لحظة فراغ، حتى حين يخرج ليبصق بقايا الدخان بباب الفصل، و أظن أن تلك البصقة التي تلي التدخين هي التي ألهمت مصطفى.
كان الجو شتاء، و الأسئلة الشفهية توشك أن تبدأ وأعيننا الجاحظة تنتظر اللحظة الحاسمة، لحظة السكون والتسمر إلى جانب السبورة وزغللة العينين وانتظار وحي لن يأتي.
 مرّ السيد/ سيدينا من أمام مصطفى، نفذ فكرته على الفور؛ كمية بصاق هائلة تلطخ مؤخرته، تسيل حتى أسفل وركيه المعدمين، مصطفى يكتم ضحكة كبيرة، ووجوم يخيم على القسم كله، سكون وكأن على رؤوسنا الطير، شيئا واحد نتمناه في ذلك الوقت؛ ألا يجلس على كرسيه أبدا، فساعتها سنذوق العذاب المر، سكون تقطعه طقطقة الساعة وهي تعد الدقائق عدا، لقد كاد الناجي أنو يفرغ زوائده ذلك اليوم، لولا أن المدرس كان عطوفا وسمح له بقضاء حاجته.
ظل يتمشى بين الصفوف إلى أن جف الريق أو كاد، كل الخُشب المسندة، كما سمانا المدير، تخاف مصطفى، إنه شقي بشكل لا يوصف، ولأننا نخافه أكثر من المدرس، كنا سنتعذب جميعا، فآخر شيء يتمناه أحدنا هو تحمل ضرب مصطفى في الشارع و إهانته أمام بنات الفصل واللائي غالبا هن سبب ذلك الاجرام، فمصطفى يريد لفت انتباههن ولن يقبل أحدنا أن يكون وسيلة تسلية.

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات:

رأيكم يهمني

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

blogtopsites'