الثلاثاء، 27 نوفمبر، 2012

52 سنة من "الإستغلال" والنهب



بحلول يوم الأربعاء الموافق ل 28 نوفمبر نكون على موعد مع تخليد ما اصطلح على تسميته بعيد الاستقلال الوطني ، العيد الذي يفترض أننا حصلنا فيه على كامل سيادتنا السياسية والثقافية والاقتصادية ، إلا أنه منذ ذلك التاريخ إلى اليوم ونحن نلحظ عدم وجود ما يسمى الاستقلال ، فمازالت كل القرارات بمختلف أشكالها تحتاج إلى موافقة من الفرنسيين خصوصا إذا ما تعلق الأمر بالحكم ومتعلقاته، يتضح ذلك من خلال الإنقلابات الكثيرة التي حطمنا فيها الأرقام القياسية والتي لم تكن لتحدث لولا مباركة السلطات الفرنسية ورعايتها إذ دأب العساكر على الإرتماء في أحضان الفرنسيين مقابل تأمين أنظمتهم الدكتاتورية والقمعية بمجملها وهو الشيء الذي أبقى الدولة الموريتانية منذ ذلك التاريخ في قاع الدول السائرة في طريق النمو ولا نستحق حتى المقارنة بأفقر الدول المجاورة لنا كما تحاول الأنظمة المتعاقبة مقارنتنا بها، كل هذا الفساد والتردي الاقتصادي والإجتماعي المستشري  لا يمكن إلا أن يكون بسبب زمرة  من أدعياء الرتب العسكرية الذين لا يجيدون إلا الانقلابات والتولي عند الزحف، بطبيعة الحال ليست قيادات العسكر هي من تتولى بصفة مباشرة عملية التسيير اليومي للدولة إنما تختار لذلك مجموعة من  المرتزقة يحملون صفة وزراء عملهم الوحيد هو تنظيم وترتيب طرق يستنزف بها العسكر خيرات هذا الشعب الجاهل في مجمله، فتجدهم في الغالب يبررون الخطوات الفاشلة التي يتخذها الدكتاتور الحاكم مهما كان والشواهد على ذلك أكثر وأبرز من أن تذكر، ولن يكون هؤلاء " الوزراء" بعيدين من النهب المنظم والمستمر منذ تلك الفترة، فالواحد منهم يغيب عقله وفكره مقابل رضا الحاكم فكان الفساد و السيبة في الإدارة الموريتانية في مختلف فروعها، فلم يسلم منها أي قطاع يمكن أن يجول في خاطرك، وأول تلك المؤسسات الفاسدة هو مؤسسة الجيش نفسها، فمن فسادها إرسال آلاف الجنود إلى الفيافي والصحاري القاتلة مزودين فيها بأدنى المواد الغذائية تكاملا ، دون أن ننسى الأجور المتدنية التي لا تغني ولا تسمن من جوع الأمر الذي حمل الكثير منهم على الفرار من الخدمة مفضلا حياة الشارع على الإهانة والمذلة والتي بلا مقابل يذكر تقريبا، أذكر أنني في الفترة الأخيرة كنت مشاركا في مسابقة تطلبت منا إجراء فحص طبي لدى مستوصف عسكري كنا نتوقع فيه الانضباط والمسؤولية فلم نتلقى إلا الإهمال والتنكيل وسوء المعاملة حتى أن مسؤول المسابقة عندما اشتكينا إليه من هذا الوضع قال لنا حرفيا " الجيش اليوم هو الذي يحكم وليس علينا إلا الطاعة والصبر" ، أذكر أننا أيضا كنا نأتي صباحا ونستمر حتى الثانية ظهرا ليمر علينا الطبيب العسكري ويقول لنا اذهبوا حتى الغد وهكذا حتى قضينا شهرا بهذه الحال، هذا مثال بسيط على تسيبهم و علاقاتهم المشبوهة فكثيرا ما جاء أحدهم بقريب له في المسابقة وأدخله وعندما نعترض يقولون لنا اسكتوا أو اخرجوا، ليس هذا إلا مثال بسيط ولك أن تتخيل ما سيقوم به المسئولين الكبار في ما يتعلق بالدولة والمصالح الكبرى التي "يتقاتلون" عليها، هذا في ما يتعلق ببعض تصرفات أفراد من الجيش كعينة بسيطة ، أما ما يتعلق بقطاعات الدولة المختلفة فحدث ولا حرج، نتناول هنا أهم قطاع يمكن أن تبنى عليه الدول، قطاع التعليم الذي حتى ولو قضيت يوما كامل وأنت تدون عن حاله فلن يجزيك، فبائس ذلك الواقع وفاشلة تلك الاستراتيجيات التي طالما صدعوا رؤوسنا بها فمرة يحولون النظام التعليمي إلى عربي ومرة أخري إلى فرنسي وأخرى لمزدوج حتى ضاع جيل كامل بسبب تلك السياسات اللامدروسة نهائيا كل ذلك والمسئولون مشغولون بملإ جيوبهم بأموال الشعب  والمظاهرات اليومية مستمرة معلنة بشكل صريح عن الوضع المزري والظالم الذي يعانيه المعلمين والأساتذة وقبل كل شيء الجيل القادم الذي سيجد نفسه ذات يوم بموضع الضحية في حين لا ينفع العلاج، ومن الأسباب الكامنة وراء ذلك سوء المناهج التربوية وعدم ملائمتها مع مستويات التلاميذ المتدنية في الغالب فحسب الأساتذة الذين إلتقيتهم أكبر مشكلة يواجهونها هي مستويات التلاميذ بحيث لا يمكن أن يستوعبوا إلا ما يناهز ال10% من الدروس المقدمة لهم فأغلبها باللغة الفرنسية ونتيجة لتدنى ما يقدم لهم منها يكونون غير قادرين على فهم دروسهم، ونتيجة لقصر فهم الكادر التعليمي لم يوفق في إيجاد الحل المباشر لكل هذه المشاكل فظن أن الحل يكمن في توزيع الوزارات  قبل ان يعود عن تلك العملية منذ سنوات، ليعود  لها مرة أخرى على الرغم من الفشل الذريع الذي يعيشه التعليم في هذه الفترة، و لم تقتنع السلطات المعنية بتغيير ذلك النهج بل عمدت الى تركيز كل الصلاحيات في يد شخص واحدا يدير ثلاث وزارات حساسة بمندوبين، غير مدركة ان جل هذه المشاكل لم تقدر كل الأنظمة المتعاقبة على حلها فكيف برجل واحد يواجه الكثير من المعوقات والمشاكل التي كان هو سببا في بعضها ووجد البعض الآخر أمامه، وتجدر الإشارة الى ان  الوزيرة السابقة نبقوه منت حابه حاولت حل معضلة المعلمين والأساتذة المفرغين العاملين في التجارة بدل عملهم فووجهت بالكثير من النقد والتشهير حتى تمكنت لوبيات الفساد من إزاحتها، كثيرة هي العيوب التي تطبع قطاع التعليم منذ مدة طويلة ولن نوفيه حقه أبدا مهما قلنا، فهذا القطاع ذا العلاقة الوطيدة بالاقتصاد الوطني لم يستطع أن يوفر لنا مخرجات قادرة على الاندماج في سوق العمل نتيجة لانفصال المقررات الجامعية في معظمها عن الواقع لنجد أفواجا من الطلاب تتخرج سنويا لتذهب الى الشارع الشيء الذي نتج عنه اقتصاد مختل يخضع في مجمله للانتماءات السياسية والحزبية فنجد الصفقات العمومية التي من المفترض أن تفتح لكل الفاعلين الاقتصاديين في البلد يتم منحها دون مناقصة أو بمناقصة صورية يتم تحديد الفائز فيها مسبقا حتى ولو كان هناك من يقدم تكلفة أقل ومدة انجاز اقصر، فموريتانيا تتميز بالفشل الاقتصادي إذ تعتبر من بين أكثر دول العالم فسادا فنجدها دائما في ذيل ترتيب دول العالم شفافية وفشل وهو ما حدا بمؤسسات الأمم المتحدة (البنك والصندوق الدوليين) التدخل لمحاولة إنقاذ الوضع الاقتصادي- على الرغم من علامات الاستفهام المثارة حولها-، فكانت نتيجة هذا التدخل عكسية ،اشتد الفساد وزاد الفقر وكثرت السرقة لكل تلك التمويلات الهائلة لتظل موريتانيا ترزح تحت وطأة التخلف والسير عكس التيار، لقد تبنى النظام الحالي في بداياته شعارات عدة منها مكافحة الفساد والمفسدين وتوسيع السجون حتى تسعهم والحقيقة هي ان كل تلك الشعارات كانت جوفاء ولا تعدو كونها وسيلة لترهيب الخصوم السياسيين وتصفية الحسابات معهم فقد أقدم على سجن العديد من الشخصيات في بداية حكمه سرعان ما تم الإفراج عنهم بوساطة من أحد الفقهاء، الشيء الذي أثار الاستغراب أولا لان من سرق مالا عاما يجب أن يحاكم حتى يطلع الشعب على جرمه  ويأخذ جزاءه الذي يستحق ثانيا والأكثر استغرابا هو ان يقوم أحد الفقهاء المفترض أنهم يدعون إلى القسط بالتوسط لهكذا متهمين  بالفساد وسرقة أموا الدولة، إنها بحق بلاد لا يكون البقاء فيها الا للأكثر قوة عسكرية او مادية وقد انعكس هذا الفساد على كل القطاعات فقبل فترة وجيزة فرض على العاصمة ان تغرق في بحر من الظلام متقطع اتضح بعد ذلك ان سببه صفقات مشبوهة قام بها بعض رجال الأعمال قصد الربح المادي السريع على حساب الشعب، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، ولم يسلم قطاع الصحة من مخلفات الفساد كذلك فعلى الرغم من أهميته إلا أن ذلك لم يشفع له هو الآخر، فهذا القطاع حسب أحد المهتمين يعاني من أزمة بنيوية عميقة وقد أضاع البلد بسبب ذلك الكثير من كوادره المختصين نتيجة شخصنة الأمور والتعامل مع الناس على أساس الولاء والانتماء بدل الكفاءة والخبرة، وقد ظهر ذلك التخبط إبان الكثير من الأمراض الطارئة التي يتضح عجز الحكومة عن القضاء عليها وإنما تتبع دائما سياسات ظرفية تفتقر إلى العمق والاستمرارية اللازمتين للقضاء على هذا النوع من الأمراض وليست قضية التلقيح  الأخيرة التي أودت بحيات طفلين ببعيدة في تجسيد واضح للإهمال والتسيب المسيطرين.
إن موريتانيا بوضعها وسياساتها الحالية لن تكون مستعدة لقطع خطوات اقتصادية واجتماعية وصحية الى الأمام مادامت تخضع لسياسات المصالح والزبونية التي هي السمة الأبرز للأنظمة العسكرية الانقلابية المتعاقبة على هذا البلد والتي عانى ومازال يعاني منها الكثير، ولكي تقطع موريتانيا أولى الخطوات باتجاه التقدم والنمو عليها التخلص من أصحاب النياشين المزيفة الذين لا يجيدون الا النهب المنظم ورهن موريتانيا وفق سياسات جهوية ومصلحية ضيقة لا تخدم المصلحة العامة مطلقا، ومن هنا يكون لزاما على كل موريتاني يرغب في رؤية بلده يتطور ان يقول لا للعسكر ولا لدماهم التي يحركونها من وراء الستار ولا كذلك للحرباوات التي تتلون بتلون أصحاب الأحذية الخشنة من أصحاب النياشين الفارغة.             

ليست هناك تعليقات:

رأيكم يهمني

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

blogtopsites'