الأربعاء، 22 أغسطس، 2012

الحد الفاصل بين العسكر والسلطة




الديمقراطية هي حكم الشعب نفسه بنفسه حسب التعريف المتفق عليه والذي يمارس عالميا في الدول التي توجد فيها  ديمقراطية بكل ما في الكلمة من معنى،ومنذ بداية  التسعينيات تاريخ بدأ الديمقراطية الموريتانية "الفريدة" التي فرضت على نظام ولد الطابع آنئذ والدولة الموريتانية تشهد الكثير من الشد والجذب بين الحكومات المتعاقبة وما يعرف بالمعارضة بأقطابها الثابتة.
ولكن أن تكون معارضا في دولة افريقية متخلفة فهذا ضرب من المستحيل اللهم الا إن كنت ستحصل على السلطة عن طريق الانقلاب، وهذا ما فهمه جيشنا" الباسل" الذي أمسك بخيوط اللعبة منذ الانقلاب على حكم  المختار ولد داداه الذي استمر 18 سنة 1978وذلك صباح العاشر من يوليو 1978 بقيادة المصطفى ولد محمد السالك وان رأي البعض مبررا له ، الا انه أدخل موريتانيا في متاهة انقلابات لا نهاية لها، وبذلك رسخ حب السلطة لدى العسكريين الذي أقصوا كل من يحاول إزاحتهم من الحكم مدنيا ليتم اللجوء إلي القوة كذلك سنة 1979 بانقلاب لولد لولي بأجندة مغربية ونتيجة للصراع المغربي الجزائري حدث انقلاب آخر سنة 1980 بقيادة محمد خونة ولد هيداله المعروف بميله إلى الصحراء الغربية ليستمر أربع سنوات في الحكم قبل أن ينقلب عليه معاوية ولد سيد احمد الطايع سنة 1984 لتشهد البلاد فترة هدوء امتدت حوالي عشرين عاما اتبع فيها النظام الجديد أسلوبا جديدا حيث عمل على تهميش الجيش بطرية ممنهجة حتى لا يفكر أو لا يقدر على الأصح على القيام بانقلاب جديد وهو ما مكن الرئيس الطابع في البقاء في الحكم لكل هذه الفترة ،إلا أن هذه السياسة انقلبت على صاحبها فالجيش الذي أسكت شعر بالمرارة بالإضافة إلى عوامل عدة اجتماعية واقتصادية عانى منها الشعب نتيجة الفساد والمحسوبية التي تميز بها نظام ولد الطابع، فكانت أولى المحاولات سنة 2003 بقيادة صالح ولد حننا هذه المحاولة الفاشلة هي ما أيقظ ضمير الجيش من جديد لينفذ انقلاب 2005 بقيادة اعل ولد محمد فال ومجلسه العسكري ليقود فترة انتقالية سلم بعد الحكم لأول رئيس مدني منذ عهد المختار ولد داداه ،الا أن صراعا نشب من جديد بين المدنيين والعسكر نجح فيه الأخير بالاستيلاء على الحكم في السادس من أغسطس 2008  بقيادة هي الأغرب في التاريخ، بعد  استبشار الجميع خيرا بدولة مدنية خالية من الحكم العسكري قبل أن نفاجئ بتغليب المصالح لدى زمرة من العسكريين الذين رفضوا قرارات رئيس مدني في تجسيد واضح للصراع بين القطبين متبنين شعرات اتضح فيما بعد زيفها وكذبها.
لقد عرف عبر التاريخ أن مهمة الجيوش هي حماية بلدانها من الأخطار الخارجية التي تهدد الأمن القومي لوطنها بعيدا عن الحكم الذي من مهام المدنيين الذين يسيرون البلد وفق استراتيجيات مدروسة تحقق النمو على كافة الصعد، وبما أن الجيوش ليست متخصصة أصلا في هذه الجوانب فان الدولة لا محالة ستسير عكس التيار وهو ما نعيشه اليوم.
إن المتأمل اليوم للإقتصاد الموريتاني يدرك هول التخبط الذي تعيشه الدولة الموريتانية فإلى اليوم وعلى الرغم من كل الإمكانيات التي يتمتع بها البلد في المجال البحري والمعدني والزراعي  الا أن نسبة النمو الحقيقي قد لا تتجاوز الواحد في المائة إن لم يكن أقل بعيدا عن الأرقام الرسمية المزورة ككل الحقائق الاقتصادية للبلد، وهذا غير منطقي فدولة عمرها  يزيد عن نصف قرن وسكان يناهزون ثلاثة ملايين ونصف لا ينبغي أن تكون في وضعية مزرية كهذه، فساد مستشري ومحسوبية وزبونية وتزييف للشعارات وتغييب لعقول الناس بإنجاز طريق هنا أو هناك تجنى أيادي الفساد من ورائه مئات الملايين، كل هذا نتيجة لتحكم الجيش بالسلطة في البلد وإصراره على تدميره بطريقة ممنهجة.
إن الدولة الموريتانية لا يمكن ان تدار كما تدار فرقة عسكرية يطيع أفرادها الأوامر دون اعتراض، بل يجب أن يتنحى الجيش جانبا ليترك الساحة للسياسيين المدنيين وليس العسكريين المتسيسين الذين لا يفقهون الا مصلحة آنية ستدر عليهم أموالا من أموال الشعب الموريتاني المغلوب على أمره، إن عسكريا يقوم بانقلاب ينصب فيه نفسه كقائد أوحد للبلاد ومن بعد ذلك يدخل انتخابات بعد أن يضمن النجاح فيها لا يمكن اعتباره رئيسا مدنيا ولا منتخبا ديمقراطيا.
نلاحظ في جميع الدول التي يمسك فيها العسكر بالسلطة بيد من حديد  مدى الفشل الذي تعانيه والكوارث التي تحل بها ولنأخذ مصر قبل الثورة كمثال فالفساد منتشر وحوادث القطارات تحدث متتالية وهيبة الدولة التي ينبغي أن تصان صارت في الحضيض تماما كحال موريتانيا التي صارت ملعبا للإرهابيين وتحولت كل ميزانيتها إلي خدمة العسكر وجيوب أقارب العسكر الذين استولوا على كل الصفقات الفاسدة في معظمها ليخلفوا لنا بلدا تتقاسم معادنه الشركات الأجنبية في تجاهل تام من العسكر الذي تعود لقياداته عوائد مادية خاصة تسكتهم عن حقوق مواطنيهم الذين بدؤوا يتساقطون قتلى نتيجة التلوث البيئي وان لم يكن بهذا السبب فنتيجة قمعهم عند مطالبتهم بحقوقهم كما حدث مع العامل ولد المشظوفي.
على الجيش معرفة أن مهمته هي حماية موريتانيا من التهديدات الخارجية وليس السلطة التي يتمسكون دون وجه حق، وإلا فإنهم يقودون هذا البلد إلي الهاوية بحماقاتهم وجهلهم للأمور لان الدول لا تدار بالقوة العسكرية والقمع وإنما بعقول أبنائها وبسياساتهم المبنية على أساس دراسات استيراتيجية تعطي نتيجة في الأجل القريب والمتوسط  والبعيد ،خصوصا أننا نمتلك مقومات البناء من إمكانيات مادية ومعنوية، وان التوازنات القبلية التي ينسجها الجيش وتبديد أموال الشعب للاستمرار في الحكم لا يمكن أن تستمر في حين تزداد الأسعار ارتفاعا يوما تلو الآخر والظروف الاقتصادية بشكل عام تزداد سوء نتيجة التوائم بين الحكومة ورجال أعمال خلقهم العسكر.

ليست هناك تعليقات:

رأيكم يهمني

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

blogtopsites'